البيـــان
في أحكام الموتى والقبور
تأليف
الشيخ عبد القادر شيخ محمد متـان – (علو)
غغر الله له ولوالديه وللمؤمنين – آمين
بسم الله الرّحمن الرّحيم
مقدمة الكتاب
الحمد
لله الذي جعل بين المؤمنين أُخُوَة ومودة ورحمة في الدارين ، مما لا ينقطع
بالموت والرحيل من الدنيا ، بل يدوم ويستمر إلي أن يرث الله الأرض ومن
عليها وإلي ما شاء الله ، حيث ينفع الله تعالي بعض المؤمنين بعضا أو ينتفع
بعضهم بالآخَرين بإذن الله ، من غير تقييد بالحياة ولا بالموت ، إذ هو
سبحانه وتعالي خلق الموت والحياة ، وأن حقيقة الموت ليست بالعدم المحض بل
إنتقال من دار إلي أخري ، كما جعل
زيارة القبور شرعة ومنهاجا قويما وتذكرة وعبرة لأولى الألباب ورحمة لأهل
القبور ، ميزها بفوائد محسوسة ومعنوية وصيرها من الأعمال الصالحة وسيرة
سلف الصالحين .
وأشهد أن لآإله إلا الله وحده لا شريك له ، الباقي بعد فناء الوجود ، والقائل جلّ جلاله (كلّ من عليها فان ويبقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام)
والقائل أيضا (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز
الغفور) ومن حسن العمل الإحسان للغير من المسلمين أحيـاء وأمواتـا .
وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله سيد الأوّابين ورسول رب العالمين ، الآمر بالمعروف والبرّ والإحسان للمؤمنين ، والقائل صلي الله عليه وسلم (زوروا القبور فإنـها تذكركم الأخرة ) اللهم صلّ علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً .
أمـا بـعـد:
فقد قال الله تعالي في محكم القرآن (وتعاونوا علي البر والتقوي ولا
تعاونوا علي الإثم والعدوان) ومن التعاون علي البر والتقوي ، الإحسان
للمؤمنين سواء كانوا أحياء أو أمواتا ، كإطعام الجائع وإغاثة المضطر
ومساعدة المحتاح من الأحياء ، وكذا إهداء القربان من قرآن وذكر وصدقة
ودعاء وكل برّ ومعروف لأموات المسلمين ، ولا سيما إن كانوا من أهل الحقوق
من الوالدين والمشائخ والمعلمين .
وقد
جمعت في هذه الرسالة الوجيزة جملة من الأدلة في الكتاب والسنة وأقوال
العلماء في بعض الأحكام المتعلقة بالأموات ، وما ينفع الميت من البرّ
والأعمال الصالحة التي تصل من إخوانـهم المسلمين الأحياء ، كما أجبنا فيها
كل الشبهات التي أوردها المعترضون ، الذين هم خالفوا كل المخالفة جميع أهل
العلم في هذه المسألة ومسائل أخري من الدين الإسلام ، بل وفارقوا كثيرا
منها إجماع الأمة ، إعلاما منهم بمفارقتهم سبيل المؤمنين وجماعة المسلمين
، ومن فارق الجماعة قيد شبر فقد وجب عليه البوار واستحق اللعنة من الله
والملائكة والناس أجمعين ، كما ثبت في السنة النبوية الصحيحة ، (من فارق
الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) رواه أبو داود (التاج5/308) ، وفي حديث آخر: من فارق الجماعة شبراً فمات فميتة جاهلية) – رواه الشيخان (التاج3/45) ، وفي رواية آخري: (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) .
ألا
فليعلم ولينتبه هولآء المغرورون خطورة هذا الموقف الذي هم فيه واقفون ،
قبل أن تكون عاقبة ذلك وخيمة أو تكون منتهاه بالويل والخسران ، (وسيعلم
الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون) .
فمما شقوا عصا المسلمين أو خرقوا الإجماع فيه زيارة القبور وخاصة زيارة قبر النبي صلي الله عليه وسلم ، فمشروعية زيارة القبور كما هو معلوم سنة نبوية وعزيمة دينية لم يُختلف فيها من زمان مشروعيتها في عهد النبي صلي الله عليه وسلم حتي
جاء ابن تيمية في القرن الثامن الهجري فأثار حولها منازعات وشكوك ، لكن
أمات بدعته هذه أجلاء العلماء في زمانه حتي ألزموه الحيرة والدهشة والسكوت
، ومن أبشع المسائل المنقولة منه قوله (إن السفر إلي زياررته صلي الله عليه وسلم
سفر معصية لا تقصر إليه الصلاة) كما قال في مجموع فتاويه ، وقد جرت سنة
الله في خلقه تعجيل العقوبة لمثل هذه الجرائم المنكرة قبل الرحيل إلي دار
الآخرة ، فقد جوزي ابن تيمية باختتام حياته بأسوأ الأحوال فهلك في السجن
مهانا سنة سبعمأئة وثمان وعشرين ، وكفى الله شره عن الإسلام والمسلين ،
ورفعت هذه الظاهرة البدعية وهي إنكار زيارة القبور رأسها مرة أخري في
القرن الثاني عشر الهجري عند ما جاء دور قائد الوهابية محمد بن عبد الوهاب
وطائفته ، حتي شوهوا صورة المسلمين الذين يزورون القبور وسموه (عبّاد القبور)
، ويشيرون دائما أصابع الإتـهام والتكفير ما سواهم من الأمة المحمدية من
أهل الإيمان ، كأنـهم صنّاع الكفر ، أو لهم حق الصلب من الإيمان ، حتي بلغ
بـهم الأمر أن فريقا منهم يتفاخر بتسمية نفسه (جماعة التكفير)
إقررا بالوقاحة والجريمة ومجاهرة بالفسوق والفجور علي مرإ ومسمع من
العالمين ، من غير حياء ولا احتشام ، كل ذلك يستترون باسم المحافظة علي
التوحيد ويصيحون بشعارات فارغة عن الصدق والإخلاص ، يتظاهرون كأنـهم يدعون
إلي كتاب الله والسنة النبوية وليسوا منهما في شيء .
ولا يتورعون في أقوالهم ولا في أفعالهم ولو كان ذلك مؤديا إلي ترديهم في مهاوي الردي والنيران ، كتنقيصهم عيانا للنبي صلي الله عليه وسلم حيث حرّموا زيارته بل وصفوها بالمعصية ، كما عماملوا نفس ذلك في كل ما يظهر منه تعظيمه صلي الله عليه وسلم كاحتفال المسلمين لميلاده ورفع الصوت بصلواته ومدحه ، والتوسل والإسثغاثة والتبرك به ، حتي نازع بعضهم في شفاعته ، بل ربما تصدر منهم ألفاط غير لائقة في حقه صلي الله عليه وسلم وحق
المسلمين الموحدنين ، أما الأولياء والصالحون فقد يكاد أحدهم ينحلق رأسه
غضبا بمجرد سماع اسم صالح أو وليّ من أولياء الله ، بل ربما سلقوهم بألسنة
حداد أشحّة علي الخير ، أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدارين ولهم في
الحياة الدنيا خزي وفي الآخرة عذاب مهين ، إن شاء الله ، لمبارزتـهم
بمحاربة الله التي لا طاقة ولا قبل لهم بـها ، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم
فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالي (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب) ، فو
الله لقد بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا أنفسهم وأقوامهم درا البوار جهنم
يصلونـها فبئس القرار ، وستكتب شهادتـهم ويسئلون ، ما كان أخذهم ببعيد وما
كان ذلك علي الله بعزيز .
وما زال العلماء حتي الآن في عالم الإسلام وفي بلادنا خاصة يحاربون ضد هذه الظاهرة الخبيثة ، ولما رأيت الأمر وخطورته قمت لما في وسعي من إظهار الحق وردّ الباطل بجمع هذه الرسالة وسميت الرسالة (البيان في أحكام أموات المسلين) وهذا أوان الشروع في المقصود ، فأقول وبالله التوفيق:
الأحكام المتعلقة بالميت المسلم
إذا مات المسلم تترتب من وفاته أحكام كثيرة متنوعة ، منها: ما يجب له وما يُسحب له وما يحرم في حقه وما هو جائز في حقه:
1- الأمور الواجبة له ومنها: كالغسل والتكفين والصلاة عليه ودفنه وقضاء دينه من تركته قبل قسمتها ، ومن دينه الحج والكفارة ونحوهما مما تعلق في ذمته قبل وفاته ولم يتمكن ، وتنفيذ وصيته المعتبرة .
2- الأمور المستحبة له ومنها:
ذكر محاسنه ومناقبه بعد موته إن كان من الصالحين أو مستور الحال ، وتلقينه
عقب الدفن ، والدعاء له والصدقة والإطعام عنه ، وكذا إهداء كل برّ وقربة
له من ذكر وقرآن وصدقة وصيام وحج وغير ذلك ، والزيارة لقبره بعيدا كان أو
قريبا ، والسلام عليه ، والتبرك والتوسل به إن كان من الصالحين ، ودفنه
بجوار الصالحين .
3- الأمور الجائزة في حقه ومنها:
كنعي موته لأقاربه ، والخطاب له ومنه السلام عليه ، وإحساسه وعلمه ما حوله
أو تصرفه في بعض الأحيان كالأحياء كزيارة بعضهم بعضا كما ورد في بعض
النصوص والآثار ، وظهور الكرامات منه بعد وفاته ، .
4- الأمور المحرمة في حقه ومنها:
كالنياحة لأنـها تضره ، وكسبه وغيبته والكذب عليه ، وإهانته والتعدي علي
حرمته كالجلوس والقيام والمشي عمدا فوق قبره ونحو ذلك ، ونبش قبره من غير
ضرورة ، وإخراج عظامه ونحو ذلك .
وكل
ذلك لم يسلم من منازعة من عدّ نفسه من أهل العلم في هذه الآونة الأخيرة
ولكنهم في الحقيقة لا يعرفون من الدين إلا بمجرد التعصب علي آرائهم
الباطلة السقيمة ، بدون طلب العلم والمعرفة العميقة والفقه الصحيح ، إذهم
ينازعون في كل ذلك ما عدا الأمور الواجبة للميت فقط ، ونحن إن شاء الله
نبحث ونتناول في بحثنا هذا ما أمكن لنا من الأمور المستحبة للميت التي
نازع فيها هولآء المغرورون ، أما الأقسام الأخري فنفرّد في رسائل خاصة
أخري إن شاء الله ، ومن الأمور المستحبة :
إنتفاع الميت بالدعاء
إنتفاع
أموات المسلمين بدعاء الأحياء أمر أجمعت عليه الأمة ، ونقل هذا الإجماع
غير واحد من العلماء ، منهم الأئمة الأربعة ، والإمام حجة الإسلام الغزالي
، والإمام عز الدين بن عبد السلام ، والإمام فخر الدين الرازي ، والإمام
عبد الكريم الرافعي ، والإمام محي الدين النووي ، والإمام تقي الدين
السبكي ، والإمام شمس الدين القرطبي ، والحافظ إبن حجر العسقلاني ،
والحافظ جلال الدين السيوطي ، وغيرهم من علماء المسلمين ، وقد تظاهرت علي
ذلك أدلة الكتاب والسنة
قال الله تعالي: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفرلنا ولأخواننا الذين سبقونا بالأيمان) (سورة الحشر –10)
وقال تعالي: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربـهم ويؤمنون به
ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كلّ شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا
واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم - ربنا وادخلهم جنات عدن التي وعدتـهم
ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذريّاتـهم إنك أنت العزيز الحكيم - وقهم
السيات ومن تق السيات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم) (سورة الغافر 7-9) .
وقال تعالي حاكيا عن سيدنا نوح عليه السلام (قال رب اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات) (سورة النوح –28)
، وقال تعالي: حاكيا عن سيدنا إبراهيم عليه السلام:ٍ(ربّ إجعلني مقيم
الصلاة ومن ذريتي ربّنا وتقبّل دعاء ، ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم
يقوم الحساب- 40-41) .
فأماالسّنة:
فكثيرة لاتحصي فمنها صلاة الجنازة إذ كلهاء دعاء الأحياء وشفاعتهم للميت
لما ورد في السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا صليتم علي الميت فاخلصوا له الدعاء ، وفي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه قال: قال صلّى رسول الله صلي
الله عليه وسلم علي جنازة فحفظت منه دعاء وهو يقول: اللهم اغفر له من
الخطايا كما تنقي الثوب الأبيض من الدنس وابدله دارا خيرا من داره وأهلا
خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وادخله الجنة وأبعده من عذاب القبر وعذاب
النار .
عن
ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ما الميت
في قبره إلا شبه الغريق المتغوث ينتظر دعوة تلحقه من أب أو أم أو ولد أو
صديق ثقة فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها ، وإن الله تعالي
ليدخل علي أهل القبور من دعاء أهل الأرض أمثال الجبال ، وإن هدية الأحياء
إلي الأموات الإستغفار لهم – إهـ (رواه البيهقي في شعب الإيمان ، والدّيلمي ، ونقله صاحب كنـز العمال 15/694 – وانظر (شرح الصدور بشرح أحوال الموتي والقبور)
تنبيـه:
إعلم أن الدعاء ينفع الميت بدليل الكتاب والسنة وإجماع العلماء ، وكذلك من
الدعاء إذا عمل المسلم عملا صالحا كصدقة وقراءة قرآن وذكر وغير ذلك من
الأعمال الصالحة ثم دعا عليه للميت إنتفع بـها الميت ، وهذا مما نازعوا
فيه بعدما سلموا علي أن الدعاء المجردة فقط من غير عمل العامل تنفعها ، فيا للجهل ويا للحماقة !! .
والدليل
علي أن الدعاء تشمل بدعاء العامل بعلمه الصالح ما روته عائشة رضي الله
عنها: أن النبي صلي الله عليه وسلم أمر بكبش أقرن يطأ فى سواد وينظر في
سواد ويبرك في سواد فأتي فضحى به فقال ياعائشة هلمي المدية ثم اشحذيها
بحجر ففعلتُ فأخذها ثم أضجع الكبش فذبحه ثم قال: بسم الله اللهم تقبل من
محمد وآل محمد ومن أمة محمد ثم ضحى _ رواه مسلم وأصحاب السنن ، (التاج الجامع للأصول 3/112) .
وعن
جابر رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله صلي الله عليه وسلم الأضحى في
المصلى فلما قضى خطبته نزل من منبره وأتي بكبش فذبحه بيده ، وقال: بسم
الله والله أكبر هذا عني وعن من لم يضح من أمتي - رواه أبوداود برقم 2810 ، والترمذي برقم -1521 ، (التاج الجامع للأصول 3/110) .
إنتفاع الميت بقراءة القراءن الكريم وصول ثوابه إليه وأقوال العلماء في ذلك
قال
أهل البدع المعاصرة إن القرآن لا ينفع الأموات ، بل من الغريب أنـهم إذا
حضروا بعض المجالس العامّة ، فقال بعض الناس: إفتحوا لنا المجلس بقراءة
الفاتحة ، يقول أحدهم مسرعاً: إن ذلك حرام وبدعة !! فيا لسفاهة الأحلام !!
، فكل من أمعن النظر إلي سلوكهم يعلم أن لسان حالهم ومقالهم يقول: إن
القرآن لاينفع في الدنيا ولا في الآخرة ، قاتلهم الله أني يؤفكون .
أما وصول ثواب قراءة القرآن إلي الميت فقد ثبت في الكتاب والسنة وأقوال العلماء ، ومن ذلك:
أولا: إن ذلك وارد في نص القرآن الكريم بقوله تعالي: (ربنا اغفرلنا ولأخواننا الذين سبقونا بالأيمان) (سورة الحشر –10) ، وقال تعالي: (ربنا وادخلهم جنات عدن التي وعدتـهم
ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذريّاتـهم إنك أنت العزيز الحكيم - وقهم
السيات ومن تق السيات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوزالعظيم) (سورة الغافر 8 و9) ونحو ذلك من الآيات التي فيها الدعاء لأموات السلمين ، ووصول ثواب الدعاء للأموات محل إجماع لانزاع فيه .
ومحل الإستدلال:
أن هذه الآيات ونحوها دعاء الأحياء للأموات كما أنـها في نفس الوقت آيات
قرآنية يصل نفعها للأموات من الأحياء لا هي مجرد دعاء فقط كما هو ظاهر ،
فإن وصل بعض القرآن فالقرآن كله يصل كذلك ، فمن قال هذه الآيات تصل علي
وجه الدعاء فقط لاعلي وجه القراءة فعليه بينة ذلك الفرق ، لأن هذه الآيات
قرآن ودعاء ، فلا ترجيح لأحدهما من الآخر ، ومن قال بترجيح دعائيتها دون قرآنيتها فعليه البيان ، ولا يجد إلي ذلك سبيلا .
ثانيـا: إن
مما ينفع الميت صلاة الجنازة وذلك بالإجماع ، وفاتحة الكتاب التي هي أم
القرآن ركن من أركانـها ، ولاتصح صلاة الجنازة إلا بـها ، فإن نفعت الصلاة
بمجموعها فكذلك تنفع بأفرادها إذ المجموع لا يقوم إلا بأفراده ، ومن
أفرادها الفاتحة وهي أعظم سورة في القرآن ، فإن وصل بعض القرآن فسائره يصل
كمثله .
ثالثـا: إن الميت ليس بعدم بل هوكالحي الحاضر يحس النعيم والعذاب ، وقد ثبت في حديث أبي سعيد الخذري رضي الله عنه المشهور إنتفاع الملدوغ بالقرآن ، وكذا حديث إقرأوا يس علي موتاكم ، واستدل بعض العلماء لهذين الحديثين وغيرهم وصول بركة القرآن إلي الأموات كما تصل إلي الأحياء ومنهم:
الإمام محمد بن علي المشهور بابن القطان الشافعي: قال: وأوّل جماعة من التابعين القراءة للميت بالمحتضر والتأويل خلاف الظاهر ، ثم يقال عليه إذا انتفع المحتضر بقراءة يس وليس من سعيه فالميت كذلك ، والميت كالحي الحاضر يسمع كالحي الحاضر ، إهـ (إتحاف السادة المتقين للإمام مرتضي الزبيدي -10/369-371) .
وقال إبن الرفعة الشافعي:
الذي دل عليه الخبر بالإستنباط أن بعض القرآن إذا قصد به نفع الميت وتخفيف
ماهو فيه نفعه إذ ثبت أن الفاتحة لما قصد بـها القارئ نفع الملدوغ نفعته ،
وأقرّ النبي صلي الله عليه وسلم ذلك بقوله "وما يدريك أنـها رقية" وإذا
نفعت الحي بالقصد كان نفع الميت أولي . إهـ (إتحاف السادة المتقين للإمام مرتضي الزبيدي -10/370) .
وقال الإمام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي: في كتابه (قضاء الإرب في أسئلة حِلَب - ص 452) "ينال الميت بركة القراءة كالحاضر الحي" إهـ .
وذكر القاضي أبو الطيب: أن الميت كالحي الحاضر فيرجي له الرحمة ووصول البركة إذا أهدي القارئ الثواب إلي الميت إهـ ، (إتحاف السادة المتقين للإمام مرتضي الزبيدي -10/369-371) .
وقال ابن القيم في الرّوح: وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد النية وإمساك وبين وصول ثواب القراءة والذكر . إهـ (الرّوح لإبن القيم - ص 143) .
وقال الشيخ زكريا الأنصاري: ويكون
الميت كالحي الحاضر ، سواء أعقب القراءة بالدعاء له أو جعل أجر قراءته له
أم لا ، فتعود منفعة القراءة إلي الميت في ذلك – إلخ ، (أسني المطالب شرح روض الطالب 2/412) .
رابعـا: وصول
الدعاء إلي الميت محل إجماع لاخلاف فيه ، فإن ثبت وصول دعاء ما ليس للداعي
فما له من باب الأولي ، قال الإمام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي:
فقد كان بعض شيوخنا يقول ، إذا كان له أن يسأل الله تعالي أن يعطيه ما ليس
له فلأن يكون له أن يسأله ما هو له أولي وأحري . إهـ (قضاء الإرب في أسئلة حِلَب – ص 452) .
وقال ابن الحاج المالكي في كتابه المدخل:
لو قرأ في بيته وأهدي إليه لوصلت ، وكيفية وصولها أنه إذا فرغ من تلاوته
وهب ثوابـها له ، أو قال اللهم اجعل ثوابـها له ، فإن ذلك دعاء بالثواب
لأن يصل إلي أخيه ، والدعاء يصل بلا خلاف ، إهـ (المدخل – 1/266) .
وقال الإمام النووي في كتابه الأذكار: فالإختيار أن يقول القارئ بعد الفراغ اللهم أوصل ثواب ما قرأته إلي فلان ، والله أعلم . (فتوحات الربانية شرح الأذكار النووية 4/205) .
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: ينبغي الجزم بنفع اللهم أوصل ثواب ما قرأناه –إلي أن قال- لأنه إذا نفعه الدعاء بما ليس له فما له أولي – إلخ (فتوحات الربانية شرح الأذكار النووية 4/206) .
خامسا: قراءة
القرآن من المعروف ومن طيّب الكلام ، وكل معروف وطيّب من الصدقة ، إذ
الصدقة لاتختص بالمال فقط ، ووصول ثواب الصدقة إلي الميت محل إجماع لاخلاف
فيه ، قال صلي الله عليه وسلم (كل معروف صدقة) وقال صلي الله عليه وسلم
(والكلمة الطيبة صدقة) رواهما مسلم، (شرح مسلم للنووي (7/89-91)
قال الإمام النووي: في شرح صحيح مسلم (7/89-91)
في كتاب الزكاة - باب الخامس عشر: (باب في وصول ثواب الصدقة عن الميت
إليه) وقال في الباب السادس عشر الذي يليه (باب بيان أن إسم الصدقة يقع
علي كل نوع من المعروف) واستدل النووي هذه الأحاديث وغيرها علي أن الذكر
وغيره من البرّ يصل إلي الميت كالصدقة وهي بالإجماع تصل ، قال في شرح حديث
سعد بن عبادة المشهور ، "وفي هذا الحديث: أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابـها وهو كذلك باجماع العلماء" ، إهـ .
وقال الإمام شمس الدين القرطبي المالكي في كتابه التذكرة:
(باب
ما جاء في قراءة القرآن عند القبر حالة الدفن وبعده وأنه يصل إلي الميت
ثواب ما يقرأ ويدعي ويستغفر له ويتصدق عليه) ، ثم قال: أصل هذا الباب
الصدقة التي لا خلاف فيها ، فكما يصل للميت ثوابـها فكذلك تصل قراءة
القرآن والدعاء والإستغفار ، إذ كل ذلك صدقة فإن الصدقة لاتختص بالمال .
إهـ (التذكرة في أحوال الموتي وأمور الآخرة - 1/75) .
أما ما ورد في السنة النبوية:
من وصول ثواب قراءة القرآن للأموات ، فقد ذكر الإمام السيوطي في كتابه شرح
الصدور بشرح أحوال الموتي والقبور: أنه ورد في هذا الباب أحاديث في بعض
أسانيدها ضعف ولكن في مجموعها تتقوي فترتقي إلي درجة الحسن كما هو مقرر في
مصطلح الحديث ، ومما ذكره السيوطي:
1- ما
أخرجه أبو محمد السمرقندي في فضائل قل هو الله أحد عن علي مر فو عا: من
مرّ علي المقابر وقرأ (قل هو الله أحد) أحدي عشر مرة ثم وهب أجره للأموات
أعطي من الأجر بعدد اللأموات .
2- وأخرج
أبو القاسم سعد بن علي السنجاني في فوائده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال
قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (من دخل القبور ثم قرأ- فاتحة الكتاب
وقل هو الله أحد والهاكم التكاثر- ثم قال اللهم قد جعلت ثواب ما قرأتُ من
كلامك لأهل المقابر من المؤمنين والمؤمنات كانوا شفعاء له إلي الله تعالي)
.
3- وأخرج
عبد العزيز صاحب الخلال بسنده عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله
عليه وسلم قال (من دخل المقابرفقرأ سورة يـس خفف الله عنهم وكان له بعدد
من فيها حسنات) .
هذه
الأحاديث بمجموعها تنهض للإستدلال لتعددها ولكونها واردة في باب واحد يقوي
بعضها بعضا فيرتقي مجموعها إلي درجة الحسن ، ولكونها أيضا في فضائل
الأعمال .
4- ومما يدل ذلك أيضا: حديث معقل بن يسار رضي الله عنه قال قال النبي صلي الله عليه وسلم (إقرأوا يـس علي موتاكم) (أخرجه أبو داود برقم 3121 ، وابن ماجة برقم 1448 ، وابن حبان برقم 3002 ، والحاكم (1/565) ، وأحمد (5/26) وغيرهم ، وصححه ابن حبان والحاكم وسكت أبوداود) .
وري
الإمام أحمد والبيهقي: عن معقل بن يسار رضي الله عنه عن النبي صلي الله
عليه وسلم قال: قلب القرآن يـس ، لا يقرأها رجل يريد الله والدار الآخرة
إلا غفر الله له ، إقرأوها علي موتاكم . أنظر (التاج الجامع للأصول 4/21) .
قال الإمام النووي: في
الأذكار وروينا في سنن أبي داود وابن ماجه عن معقل بن يسار الصحابي رضي
الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "إقرأوا يـس علي موتاكم" قلت:
إسناده ضعيف فيه مجهولان ، لكن لم يضعفه أبو داود ، وروي إبن أبي داود عن
مجالد عن الشعبي قال: كانت الأنصار إذا حضروا قرأوا عند الميت سورة البقرة
، ومجالد ضعيف . إنتهي كلام النووي ، (فتوحات الربانية شرح الأذكار النووية 1/118-119) .
قال الشيخ محمود سعيد ممدوح: في كتابه التعريف بأوهام من قسم السنن – الحديث حسن وقد صححه ابن حبان في (الإحسان رقم 3002) والسيوطي ، وسكت عليه الحاكم – في المستدرك- (1/565) والذهبي ، وقال المنذري في تخريخ أحاديث المهذب: حديث حسن ، كذا في البدر المنير .
ثم قال الشيخ ممدوح: ومع ذلك فللحديث شواهد: أخرج أحمد في المسند (4/105)
حدثنا أبو المغيرة ثنا صفوان حدثني المشيخة أنـهم حضروا غضيف بن الحارث
الثمالي حين اشتد سوقه ، فقال: هل منكم من أحد يقرأ يس قال: فكان المشيخة
يقولون إذا قرأئت عند الميت خفف عنها بـها ، قال صفوان: وقرأها عيسى بن
معمر عند ابن معبد ، وأخرجه ابن سعد في الطبقات (7/443) في ترجمة غضيف بن الحارث من طريق صفوان به ، هذا الإسناد رجاله ثقات ، وقد حسن هذا الإسناد الحافظ إبن حجر في الإصابة (3/184)
، إلي أن قال - أما قول المشيخة: "إذا قرأت عند الميت خفف عنه بـها"
فالمشيخة هنا جماعة من التابعين ، وكلامهم حكمه حكم الإرسال عند طائفة من
المحدثين .
ولأثر
غضيف بن الحارث الثمالي طريق آخر أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق من حديث
سعيد بن منصور حدثنا فرج بن فضالة عن أسد بن وداعة قال: لما حضر غضيف بن
الحارث الموت حضر إخوته فقال: هل فيكم من يقرأ سورة يـس ؟ فقال رجل من
القوم نعم فقال: إقرأ ورتل وانصتو ، فقرأ ورتل وأسمع القوم فلما بلغ (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون) فخرجت روحه ، قال أسد بن وداعة: فمن حضره منكم الموت فشدد عليه فليقرأ عليه يـس إنه يخفف عليه الموت.
ثم قال الشيخ ممدوح:
وأخرج إبن أبي عمر في مسنده حدثنا عبد المجيد بن أبي روّاد عن مروان بن
سالم عن صفوان بن عمرو عن شريح بن عبيد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلي الله عليه وسلم "ما من ميت يموت ويقرأ عنده يـس إلا هون
الله تعالي عليه" ، كذا في النسخة المسندة من المطالب العالية (1/315/806) وهو في الفردوس بنفس الإسناد (6099) لكن عن أبي الدرداء وأبي ذر رضي الله عنهما إنتهي ما نقلته باختصار عن كتاب التعريف بأوهام من قسم السنن (5/36-39) .
وذكر ابن علان:
في شرح حديث (إقرأوا يـس علي موتاكم) شواهد منها: أثر غضيف بن الحارث ،
فقال: قال الحافظ ووجدت لحديث معقل شاهدا عن صفوان بن عمرو عن المشيخة
أنـهم حضروا غضيف بن الحاضر حين اشتد سوقه فقال هل فيكم من يقرأ يـس قال
فقرأها صالح بن شريح السكوني فلما بلغ أربعين آية منها قبض ، فكان المشيخة
يقولون إذا قرأت عند الموت خفف عنه بـها ، هذا موقوف حسن الإسناد ، وغضيف
بمعجمتين وفاء مصغر صحابي عند الجمهور ، والمشيخة الذين نقل عنهم لم يسمو
لكنهم ما بين صحابي وتابعي كبير ، ومثله لايقال بالرأي فله حكم الرفع ،
وأخرج إبن أبي شيبة من طريق أبي الشعثاء جابر بن زيد وهو من ثقات التابعين
أنه يقرأ عند الميت سورة الرعد وسنده صحيح ، إهـ كلام الحافظ . إنتهي كلام
ابن علان ، (الفتوحان الربانية شرح الأذكار النووية 1/120) .
وروي الإمام أحمد: كانت المشيخة يقولون إذا قرأت يعني يـس خفف بـها . إهـ (تفسير ابن كثير 3/564) ، وانظر (تلخيص الحبير 2/104- رقم الحديث 734) .
واستدل
الشيخ منصور علي ناصف إنتفاع الميت بقراءة القرآن بحديث (إقرأوا يـس علي
موتاكم) ، وقال: رواه أبو داود والنسائي وأحمد وابن حبان وصحّحه ، وطال في
شرح الحديث ، وذكر هناك كلاما جميلا مفيدا ، فارجع إليه تجد منه فوائد
كثيرة .
ومما
ذكر من الفوائد مانصه: أولا: إن لفط موتي في الحديث نص فيمن مات فعلا ،
وتناوله للحي المحتضر مجاز ، ولا يأتي المجاز إلا بقرينة ولا قرينة هذا ،
كذا قاله الشوكاني ، وقال المحب الطبري: إن العمل بعموم الحديث هو الظاهر
بل هو الحق لحديث الدار قطني: من دخل القبور فقرأ)قل هو الله أحد( إحدي عشرة مرة ثم وهب ثوابـها للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات – إلخ ، (التاج الجامع للأصول وشرحه غاية المأمول 1/340-341) .
وقال الإمام محمد علي الشوكاني: في شرح كلمة (موتاكم) الواردة في الحديث- "اللفط نص في الأموات وتناوله للمحتضرين مجاز ، فلا يصار إليه إلا لقرينة" إهـ ، (نيل الأوطار 3/25) .
ومما يدل إنتفاع الميت بالقراءة:
ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال مرّ رسول الله صلي الله عليه وسلم
علي قبرين وقال أما إنـهما يعذبان ومايعذبان في كبير ، أما أحدهما فكان
يمشي بالنميمة ، وأما الآخر فكان لايستبرئ من بوله ، قال فدعا بعصب فشقه
باثنين ثم غرس علي هذا واحدا وعلي هذا واحدا ثم قال لعله يخفف عنهما مالم
ييبسا - متفق عليه .
قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث: واستحب
العلماء القرآن عند القبر لهذا الحديث لأنه إذاكان يرجي التخفيف بتسبيح
الجريد فتلاوة القرآن أولي ، والله أعلم ، وقد ذكر البخاري في صحيحه أن
بريدة بن الحصيب الأسلمي الصحابي رضي الله عنه أوصي أن يجعل في قبره
جريدتان ، ففيه أنه رضي الله عنه تبرك بفعل مثل فعل النبي صلي الله عليه
وسلم . إهـ (شرح مسلم للنووي 3/202)
قال الحافظ العسقلاني في شرح هذالحديث:
وقد قيل إن المعني فيه إنه يسبح مادام رطبا ويحصل التخفيف ببركة التسبيح
وعلي هذا فيطرد في كل مافيه رطوبة من الأشجار وغيرها ، وكذلك فيما فيه
بركة كالذكر ، وتلاوة القرآن من باب الأولي . إهـ (فتح البارئ 1/320) .
وقال أيضا: وقد تأسي بريدة إبن الحصيب الصحابي بذلك فأوصي أن يوضع علي قبره جريدتان كما سياتي في الجنائز من هذا الكتاب وهو أولي أن يتبع من غيره . إهـ (فتح البارئ 1/320) .
وقال أبو سليمان الخطابي: عند
الكلام عن هذا الحديث ، فيه دليل علي إستحباب تلاوة الكتاب العزيز علي
القبور ، لأنه إذا كان يرجي عن الميت التخفيف بتسبيح الشجرة ، فتلاوة
القرآن العظيم أعظم رجاء وبركة ، إهـ ، (عمدة القارئ شرح صحيح البخاري للشيخ بدر الدين العيني الحنفي 3/118) .
قال الإمام شمس الدين القرطبي: في كتابه التذكرة عند الكلام عن هذا الحديث ، وقد
استدل بعض علمائنا قراءة القرآن بحديث العسيب الرطب الذي شقه النبي صلي
الله عليه وسلم بإثنين ثم غرس علي هذا واحدا وعلي هذا واحدا ثم قال لعله
أن يخفف عنهما مالم ييبسا – أخرجه البخاري ومسلم ، (التذكرة في أحوال الموتي وأمور الآخرة -1/75) .
وقال القرطبي:
وفي مسند الطيالسي: فوضع علي أحدهما نصفا وعلي الآخر نصفا وقال إنه يهون
عليهما ما دام فيهما من بلوتـهما شيء ، قالوا: ويستفاد من غرس الأشجار
وقراءة القرآن علي القبور ، وإذا خفف عنهم بالأشجار فكيف بقراءة الرجل
المؤمن القرآن ؟ ، إهـ أنظر مسند أبي داود الطيالسي (ص117) ، وانظر – (التذكرة في أحوال الموتي وأمور الآخرة -1/75) .
نصّ العلماء سلفا وخلفا علي أن قراء ة القرآن تصل إلي الميت
إن وجد قرينة صارفة إليه كأن كانت علي القبر أو أهدي إليه
1- قراءة القرآن علي القبور مأثورة عن الصحابة والسلف الصالح:
، فقد روي البيهقي بإسناد حسن عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنه
استحب أن يقرأ علي القبر بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمتها . إهـ (السنن الكبري 4/56) .
وقد حسن هذا الأثر غير واحد من العلماء كالإمام النووي ، فقال في كتابه
الأذكار: وروينا في سنن البيهقي بإسناد حسن ، أن ابن عمر إستحب أن يقرأ
علي القبر بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمتها . إهـ (فتوحات الربانية شرح الأذكار النووية 4/194) . وحسنه كذلك الحافظ إبن جحر العسقلاني في تخريج الأذكار فقال: "هذا موقوف حسن أخرجه أبوبكر الخلال" إهـ ، (ونقل رواية الخلال أيضا: إبن القيم في الروح ص 10- وابن علان في كتابه فتوحات الربانية 4/194 - والقرطبي في التذكرة 1/74-75) .
وروي الطبراني في الكبير مرفوعا برقم (13613)
عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللّجلاج عن أبيه ، قال لي أبي: يابني إذا أنا
مت فالحد لي لحدا ، فإن وضعتني في لحدي فقل: بسم الله وعلي ملة رسول الله
ثم سنّ علي التراب سنّا ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمها ، فإني
سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول ذلك . إهـ ، أنظر (مجمع الزوائد – 4242) ، وقال الهيثمي: رجاله موثوقون .
2- ونُقل القراءة علي القبر عن الأنصار والتابعين:
نقل ذلك غير واحد من العلماء منهم الحافظ إبن حجرالعسقلاني ، فقال في
كتابه التلخيص: إستحب بعض التابعين قراءة سورة الرعد ، ثم قال - أخرح
أبوبكر المروزي في كتاب الجنائز له وزاد: فان ذلك تخفيف عن الميت ، وفيه
أيضا عن الشعبي قال: كانت الأنصار يستحبون أن يقرأوا عند الميت سورة
البقرة ، وأخرج المستغفري في فضائل القرآن أثر أبي الشعثاء المذكور ونحوه
. إهـ (تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير 2/104-105- في تخريج الحديث رقم 735) .
وذكر الإمام النووي في الأذكار: بإسناد عن الشعبي قال: كانت الأنصار إذا حضروا قرأوا عند الميت سورة البقرة ، إهـ (فتوحات الربانية شرح الأذكار النووية 1/118-119) .
ونقل الإمام شمس الدين القرطبي: في كتابه التذكرة مانصه: وقد ذكر الخرائطي في كتاب القبور قال: سنة في الأنصار إذا حملوا الميت أن يقرأوا معه سورة البقرة . إهـ ، (التذكرة في أحوال الموتي وأمور الآخرة – 1/82) .
وأخرج الخلال في الجامع عن الشعبي قال:كانت الأنصار إذامات لهم الميت إختلفوا إلي قبره يقرأون عنده القرآن ، إهـ ، (الرّوح لإبن القيم ص -11) .
3- وقال الإمام الشافعي رحمه الله: ويستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن وإن ختموا القرآن كله كان حسنا . إهـ (نقله النووي في كتابيه رياض الصالحين والأذكار ـ أنظر دليل الفالحين 3/432 ، والفتوحات الربانية شرح الأذكار النووية 4/194) .
وقال إبن علان في الفتوحات:
في شرح كلام الشافعي (يستحب أن يقرءوا عنده شيء من القرآن) أي ليصيبه من
الرحمات الهاطلة علي المجتمعين للقراءة والدعاء بينهم وينال بركة القرآن ،
ويبعد عند سماع ذلك الشيطان قال تعالي: (واذاقرأت القرءان جعلنا بينك وبين
الذين لايؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً) والقصد إبعاد الشيطان خصوصا في
ذلك الزمان والمكان ، والله الموفق . إهـ (فتوحات الربانية شرح الأذكار النووية 4/194) .
ونقل
النووي عن الشافعي مثل ذلك في شرح المهذب ، فقال: يستحب أن يقرأ من القرآن
ماتيسر ويدعو لهم- أي للأموات - عقبها ، نصّ عليه الشافعي واتفق عليه
الاصحاب . إهـ (المجموع شرح المهذب 5/311) ، وزاد النووي في موضع آخر من شرح المهذب: "وإن خُتم القرآن علي القبر كان أفضل" إهـ .
ونقل الحافظ السيوطي: عن الشافعي في كتابه شرح الصدور (ص-382) في
(باب قراءة القرآن للميت أوعلى القبر) مانصه: "وأما القرآءة علي القبر
فجزم بمشروعيتها أصحابنا ، قال الزعفراني سألت الشافعي عن القرآءة عند
القبر فقال لاباس به" .
وقال ابن القيم في الرّوح: وقال الحسن بن الصباح الزعفراني سألت الشافعي عن القراءة عند القبر فقال: لا بأس بـها . إهـ (الرّوح لإبن القيم - ص 11) .
4- ونُقل القراءة علي القبر أيضا عن الإمام أحمد: قال الإمام موفق
الدين بن قدامة الحنبلي المتوفي 620هـ ، في كتاب الجنائز من كتابه المغني
- ولا بأس بالقراءة عند القبر ، وقد روي عن أحمد أنه قال: إذا دخلتم
المقابر إقرأوا (آية الكرسي) وثلاث مرات (قل هو الله أحد) ثم قولوا: اللهم إن فضله لأهل المقابر . إهـ (المغني لإبن قدامة 2/566) .
وقال القرطبي في التذكرة: قال محمد بن محمد
المروزي سمعت أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقول إذا دخلتم المقابر فأقرأوا
بفاتحة الكتاب والمعوذتين ، وقل هو الله أحد ، واجعلوا ذلك لأهل المقابر ,
فإنه يصل إليهم . إهـ ، (التذكرة في أحوال الموتي وأمور الآخرة 1/74) .
وقال الخلال:
وأخبرني الحسن بن أحمد الورّاق حدثني علي بن موسي الحداد وكان صدوقا قال:
كنت مع أحمد بن أحنبل ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة ، فلما دفن الميت
جاء رجل ضرير يقرأ عند القبر فقال له أحمد: ياهذا إن القراءة علي القبر
بدعة ، فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد يا أبا عبد الله ما
تقول في مبشر الحلبي ؟ ، قال ثقة ، قال: كتبتَ عنه شيئا ؟ ، قال نعم
فأخبرني مبشر عن عبد الرحمن بن العلآء بن اللّجلاج عن أبيه أنه أوصي إذا
دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها وقال: سمعت ابن عمر يوصي
بذلك ، فقال له أحمد فارجع وقل للرجل إقرأ . إهـ (الرّوح لإبن القيم - ص 10) و (التذكرة في أحوال الموتي وأمور الآخرة 1/74-75) و (فتوحات الربانية شرح الأذكار النووية 4/194) .
وقال الحافظ السيوطي: في كتابه شرح الصدور (ص 382)
نقلا عن الحافظ شمس الدين بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي: إن المسلمين
مازالوا في كل عصر يجتمعون ويقرأون لموتاهم من غير نكير فكان ذلك إجماعا .
إهـ .
وقال الحافظ السيوطي أيضا: في
كتابه الحاوي للفتاوي- ورأيت في التواريخ كثيرا في تراجم الأئمة يقولون:
وأقام الناس علي قبره سبعة أيام يقرأون القرآن ، وأخرج الحافظ الكبير أبو
القاسم بن عساكر في كتابه المسمي: (تبين كذب المفتري فيما نسب إلي الإمام
أبي الحسن الأشعري) ، سمعت الشيخ الفقيه أبا الفتح نصر الله بن محمد بن
عبد القوي المصيصي يقول: توفي الشيخ نصر بن إبراهيم المقدسي في يوم
الثلثاء التاسع من المحرم سنة تسعين وأربعمائة بدمسق ، وأقمنا علي قبره
سبع ليال نقرأ كل ليلة عشرين ختمة . إهـ ، (الحاوي للفتاوي 2/183) ، وانظر (تبين كذب المفتري فيما نسب إلي الإمام أبي الحسن الأشعري – 2/280) ، في ترجمة الشيخ الفقيه نصر بن إبراهيم المقدسي رحمه الله .
وقال الإمام محمد أمين الشهير بابن عابدين: والذي
حرره المتأخرون من الشافعية وصول القراءة للميت إذا كانت بحضرته أو دعي له
عقبها ولو غائبا ، لأن محل القرآءة تنـزل الرحمة والبركة ، والدعاء عقبها
أرجي للقبول . إهـ ، (رد المحتار علي الذّر المختار 1/243)
أما ما نقله بعض العلماء عن الشافعي وغيره من أن القراءة لا تصل:
فهذ محمول علي القراءة المجردة التي ليست عند القبر ، أو بدون إهداء
ثوابـها إلي الميت ، أو بدون دعاء القارئ بالوصول كقوله: (اللهم أوصل ثواب
ما قرأته إلي فلان) ، أما إن كانت القراءة علي القبر أو أُهدي إلي الميت
أو دعي القارئ بوصول ثوابـها فهي تصل بلا خلاف ، لهذه النصوص المتقدمة من
آثار الصحابة والسلف الصالح ، وما نقل عنه خاصة من إستحبابه للقراءة عند
القبر كما قدمنا ، فهذه الأمور الثلاثة: أي قراءة القرآن علي القبر ،
والدعاء ، أوالإهداء بـها للميت في الغيبة ، كل منها قرينة صارفة عن
الإحتمال فضلا عما ورد فيها من الأدلة .
وقال الشيخ شمس الدين الرملي:
في كتابه نـهاية المحتاج إلى شرح المنهاج وفي القراءة وجه وهو مذهب الأئمة
الثلاثة بوصول ثوابـها للميت بمجرد قصده بـها ، واختاره كثير من أئمتنا ،
وحمل جمع الأول - أي من قال لا تصل- على قراءته لابحضرة الميت ولابنية
القارئ ثواب قراءته له أونواه ولم يدع ، قال ابن الصلاح: وينبغي الجزم
بنفع اللهم أوصل ثواب ماقرأناه ، وإن لم يصرح به لفلان ، لأنه إذا نفعه
الدعاء لماليس للداعي فماله أولى ، ويجري هذا في سائر الأعمال – (نهاية المحتاج 6/93) .
وقال الشيخ زكريا الأنصاري: ويكون
الميت كالحي الحاضر سواء أعقب القراءة بالدعاء له أو جعل أجر قراءته له أم
لا ، فتعود منفعة القراءة إلي الميت في ذلك ، ولأن الدعاء يلحقه وهو بعدها
أقرب إجابة وأكثر بركة ، ولأنه إذا جعل أجره الحاصل بقراءته للميت فهو
دعاء بحصول الأجر له فينتفع به ، فقول الشافعي: إن القراءة لاتصل إليه محمول علي غير ذلك ،
بل قال السبكي تبعا لإبن الرفعة بعد حمل كلامهم علي ما إذا نوي القارئ أن
يكون ثواب قراءته للميت بغير دعاء ، علي أن الذي دل عليه الخبر بالإستنباط
أن بعض القرآن إذا قصد به نفع الميت نفعه ، إذ قد ثبت أن القارئ لماقصد
بقراءته نفع الملدوغ نفعته ، وأقر النبي صلي الله عليه وسلم ذلك بقوله
(وما يدريك أنـها رقية) وإذا نفعت الحي بالقصد كان نفع الميت بـها أولي ، لأنه يقع عنه من العبادات بغير إذنه ما لا يقع عن الحي . إهـ ، (أسني المطالب شرح روض الطالب 2/412) .
إهـداء ثواب البر والأعمال الصالحة عموما إلي الميت
قال
بعض المتشيخين ممن لا فهم في نصوص الإسلام إن إهداء ثواب الأعمال الصالحة
إلي الأموات غير وارد في الشريعة ، وأن الأعمال لا تنصرف ولا تتعدي إلي
الغير بل هي قاصرة في العامل فقط ، فنقول في جواب ذلك: هذا هُراء وكذب
وبـهتان علي الشريعة الغرّاء ، بل هو جراءة وإقدام علي الله ورسوله من غير
خوف منه تعالي ولا استحياء من الرسول صلي الله عليه وسلم
أولا:
تكذبـها النصوص الصحيحة الواردة في ذلك ، ومنها ما سيأتي في باب الصدقة عن
الميت وذلك إجماع بين علماء الإسلام سلفا وخلفا كما سيأتي في بابه ، ونصوا
علي أن ذلك يصل بنية الإهداء إلي الميت ، إذ الأعمال بالنيات ، ومن ذلك ما
ورد في إنتفاع الميت بحج وصوم غيره :
1-
عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن امرأة من جهينة جاءت إلي النبي صلي الله
عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتي ماتت أفاحج
عنها ؟ ، قال: حجي عنها أرأيت لوكان علي أمك دين أكنت قاضيته ؟ ، إقضوا
دين الله فهو أحق بالوفاء . ، (التاج الجامع للأصول 2/110-111)
2-
عن بريدة رضي الله عنه قال: جاءت إمرأة إلي النبي صلي الله عليه وسلم
فقالت: إن أمي ماتت ولم تحجّ أفأحجّ عنها ؟ قال: نعم حجي عنها . رواه مسلم والترمذي ، (التاج الجامع للأصول 2/111) .
3- عن
ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلا أتي النبي صلي الله عليه وسلم فقال: إن
أبي مات وعليه حجة الإسلام أفأحج عنها ؟ ، قال: أرأيت لو أن أباك ترك دينا
عليه أتقضيه عنه ؟ قال: نعم ، قال: فاحجج عن أبيك – رواه النسائي والشافعي . (التاج الجامع للأصول 2/111) .
4- عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) ، رواه الشيخان وأبو داود والنسائي . (التاج الجامع للأصول 2/78) .
5-
عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال جاء رجل إلي النبي صلي الله عليه وسلم
وقال يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفاقضيه عنها ؟ ، فقال:
لوكان علي أمك دين أكنت قاضيه عنها ؟ ، قال: نعم ، قال فدين الله أحق أن
يقضي - رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي (التاج الجامع للأصول2/78) .
6- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً – رواه الترمذي وابن ماجه (التاج الجامع للأصول2/78) .
ثانيـا: ما ورد في إنتفاع الميت بكل أنواع البّر ومن ذلك:
1-
ما رواه مسلم وأصحاب السنن ، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلي الله
عليه وسلم أمر بكبش أقرن يطأ فى سواد وينظر في سواد ويبرك في سواد فأتي
فضحى به فقال ياعائشة هلمي المدية ثم اشحذيها بحجر ففعلتُ فأخذها ثم أضجع
الكبش فذبحه ثم قال: بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد
ثم ضحى . (التاج الجامع للأصول 3/112) .
2-
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال شهدت مع النبي صلي الله عليه وسلم
الأضحي في المصلي فلما قضي خطبته نزل عن منبره وأتي بكبش فذبحه بيده وقال
باسم الله والله أكبر هذا عني وعن لم يضح من أمتي - رواه أبو داود والترمذي ، (التاج الجامع للأصول - 3/110) .
3-
عن صالح بن درهم رضي الله عنه قال: إنطلقنا حاجين فقابلنا رجل فقال إلي
جنبكم قرية يقال لها الأُبُلَةُ قلنا نعم قال من يضمن لي منكم أن يصلي لي
في مسجد العشار ركعتين ويقول هذه لأبي هريرة فإني سمعت خليلي أبا القاسم
صلي الله عليه وسلم يقول إن الله يبعث من مسجد العشار يوم القيامة شهداء
لا يقوم مع شهداء بدر غيرهم - رواه أبو داود بسند صالح ، (التاج الجامع للأصول 5/327) .
4- عن أسيد مالك بن ربيعة الساعدي
رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلي الله عليه وسلم
إذجاءه رجل من بني سلمة فقال يارسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به
بعد موتـهما فقال نعم الصلاة عنهما والإستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من
بعدهما وصلة الرحم التي لاتوصل إلا بـهما وأكرام صديقهما - رواه أبو داود
في كتاب الأدب باب في بر الوالدين برقم (5142) -
ولفظ البيهقي: (وصلة رحمهما التي لارحم لك إلا من قبلهما فقال ما أكثر هذا
وأطيبه يارسول الله قال ماعُمل به فإنه يصل إليهما) أهـ ، ولفظ ما نكرة
وقعت في سياق الشرط فتفيد العموم .
5-
وروي الدارقطني: أن رجلا قال يارسول الله إنه كان لي أبوان أبرهما في حال
حياتي فكيف لي ببرهما بعد موتـهما فقال صلي الله عليه وسلم إن من أبر البر
بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صيامك .
6-
عن عائشة رضي الله عنها قالت: ماغرت علي نساء النبي صلي الله عليه وسلم
إلا علي حذيجة وإني لم أدركها وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا ذبح
الشاة يقول: أرسلو إلي أصدقاء خذيجة - الحديث ، رواه الشيخان والترمذي (التاج الجامع للأصول 3/377-378) .
ويستفاذ:
من هذا جميع هذه النصوص دلالة واضحة ، أن من أحال ثواب الأعمال الصالحة
إلي غيره يصل إلي من نوي وأهدي إليه حيا أوميتا ، إذ كل ذلك لا يصل إلا
بنية الإهداء إلي الميت ، سواء كان المُهْدِيْ ولدا أو والدا أو أخا أو
قريبا أو صاحبا .
أقوال العلمـاء في إهداء ثواب البر والأعمال الصالحة إلي الميت
قال الإمام إبن عابدين: يجوز أن يجعل ثواب عمله لغيره تبرعا بلا استنابة في غير الحج والإستئجار ، قال في الهداية: الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أوصوما أو صدقة أوغيرها ، قال شارحه:كتلاوة القرآن والأذكار عند أهل السنة والجماعة ، لما روي أن النبي صلي الله عليه وسلم ضحى
بكبشين أملحين ، أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته ممن أقر بوحدانية الله
تعالى وشهد له بالبلاغ ، جعل تضحية إحدى الشاتين لأمته ، أي ثوابـها . إهـ
(مجموعة رسائل إبن عابدين 1/165) .
وقال الشيخ برهان الدين علي بن أبي بكر المرغيناني: في كتابه الهداية ما نصه: (باب الحج عن الغير) الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أوصياما أو صدقة
أوغيرها عند أهل السنة والجماعة ، لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام
أنه ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته ممن أقر بوحدانية
الله تعالى وشهد له بالبلاغ ، جعل تضحية إحدى الشاتين لأمته . إهـ ، (الهداية شرح البداية 1/183) .
وقال الإمام تاج الدين عبد الوهاب السبكي:
في ترجمة أبيه الإمام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي ، وكذا لما مات
القاضي شهاب الدين بن فضل الله الذي سقنا كلامه فيما مضي ، ولا يخفي ما
كان بينهما - أي من العداوة - ومن الغريب أنه قرأ طائفة من القرآن ثم
أهداها له . إهـ (طبقات الشافعية الكبري 10/204) .
وقال ابن الحاج في كتابه المدخل:
لو قرأ في بيته وأهدي إليه لوصلت ، وكيفية وصولها أنه إذا فرغ من تلاوته
وهب ثوابـها له أو قال اللهم اجعل ثوابـها له ، فإن ذلك دعاء بالثواب لأن
يصل إلي أخيه ، والدعاء يصل بلا خلاف ، إهـ (المدخل – 1/266) .
قال الشيخ منصور علي ناصف:
في شرح حديث أبي هريرة المتقدم: المراد أن يصلي ركعتين أوأكثر نفلا لله
تعالي وبعد الصلاة يقول اللهم اجعل ثواب ذلك لأبي هريرة ولا غرابة في هذا
فللإنسان أن يعمل عملا صالحا من صلاة وصدقة وقرآن ونحوها من صالحات
النوافل ويجعل ثوابه لمن يشاء ، إهـ ، أنظر (غاية المأمول شرح التاج الجامع للأصول 5/327) .
وقال ابن القيم في الرّوح: وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعا بغير أجرة فهذا يصل إليه كما يصل ثواب الصوم والحج . إهـ (الرّوح لإبن القيم - ص 142) .
إنتفاع الميت بالإطعام عنه
أجمع العلماء علي أن الصدقة تنفع الميت ، ومما ورد في ذلك من السنة النبوية :
1-
عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا أتي النبي صلي الله عليه وسلم فقال يارسول
الله إن أمي أفتتلت نفسها ولم توص وأظنها لوتكلمت تصدقت أفلها أجر إن
تصدقت عنها قال نعم - (التاج الجامع للأصول 1/383) ، (رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد ومالك وابن خزيمة والبيهقي والبغوي وابن حبان) ، أنظر (الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة الصوفية 1/298) .
2-
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلي الله عليه وسلم أن أبي
مات فترك مالاً ولم يوص فهل يكفي عنه إن تصدقت عنه قال نعم – رواه مسلم .
3-
عن عبدالله بن عمرورضي الله عنه: أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن
ينحر مائة بذنة وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين وأن عمرو سأل النبي صلي
الله عليه وسلم عن ذلك فقال: أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه
نفعه ذلك - (رواه أحمد في مسنده 2/182) (رورواه أبو داود جـ3/رقم الحديث 2883) وانظر (مجمع الزوائد 4/192) (نيل الأوطار للشوكاني 4/140) و(عمدة القارئ شرح صحيح البخاري 3/119 ، 8/222) .
4- عن مريم بنت فروة أن عمران بن الحصين لماحضرته الوفاة قال: إذا أنا متّ فشدّوا علي بطني عمامة وإذا رجعتم فانحروا وأطعموا - رواه الطبراني في الكبير (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ج3ص5 ، للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي - باب في الطعام يصنع) .
5-
عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الانصار قال خرجنا مع رسول الله صلي
الله عليه وسلم في جنازة فرأيت رسول الله وهو علي القبر يو صي الحافر يقول
أوسع من قبل رجليه أو سع من قبل رأسه فلما رجع استقبل داعي إمراته فأجاب
ونحن معه فجئ بالطعام فجيئ بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا فنظرنا
إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم يلوك لقمة في فيه - رواه ابو داود
والبيهقى في دلائل النبوة ، أنظر (مشكاة المصابيح ، للشيخ العلاّمة المحدث
محمد بن عبد الله الخطيب التبريزى - كتاب الفضائل والشمائل - باب المعجزات
- 3/1671رقم الحديث 5942)
)وهذا الحديث رواه أبو داود في كتابه السنن 3/644- والبيهقي في السنن الكبرى 5/335 ، وأحمد في المسند 5/293- 294 - والدار قطني 4/685(- وقال الحافظ الزيلعى إسناده صحيح ، أنظر نصب الرّاية في تخريج أحاديث الهداية )4/168( .
وقال الحافظ زين الدين عبد الرّحيم العراقي: في كتابه المغنى عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأسفار (2/131) رواه أحمد وإسناده جيد .
ولا
يضرّ كون بعض روايات الحديث بتنوين إمرة من غير إضافة إلي ضمير زوجة الميت
، وسيأتي الكلام في ذلك عند أدلة إطعام الطعام عن الميت عقب الدفن .
أفضلية الطعام عن سائر الصدقات
قال
الإمام الحافظ زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري - المتوفي 656هـ
رحمه الله في كتابه الترغيب والترهيب (باب الترغيب في إطعام الطعام وسقي
الماء والترهيب من منعه) ، فأورد هناك ما يزيد من أربعين حديثا ومنها :
1- عن سعد بن عبادة رضي الله عنه: قال قلت يا رسول الله إن أمي فأي الصدقة أفضل؟ قال: الماء فحفر بئراً وقال هذه لأم سعد – رواه أبو داود واللفط له ، وراه ابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه وابن حبان والحاكم وقال: صحيح علي شرطهما .
2- عن
أبي سعيد رضي الله عنه: عن النبي صلي الله عليه وسلم أيما مسلم أطعم مسلما
علي جوع أطعمه الله من ثمار الجنة ، وأيما مسلم سقي مسلما علي ظمإ سقاه
الله عز وجل من الرحيق المختوم - رواه أبو داود .
3- عن أنس بن مالك رضي الله عنه: قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم أفضل الصدقة أن تطعم كبدا جائعا - رواه أبو الشيخ والأصبهاني ، والبيهقي واللفط له ، ولفط أبي الشيخ والأصبهاني: "ما من عمل أفضل من إشباع كبد جائع" .
4- عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ليس صدقة أعظم أجرا من ماء – رواه البيهقي .
5- عن
عبد الله بن عمرو بن عاص رضي الله عنهما: أن رجلا سأل النبي صلي الله عليه
وسلم أي الإسلام خير ، قال أن تطعم الطعام وتقرأ السلام علي من عرفت ومن
لم تعرف – روه الشيخان والنسائي .
6- عن
أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أخبرني بشيء إذا عملته دخلت
الجنة ، قال: أطعم الطعام وافش السلام وصل الأرحام وصلّ بالليل والناس
نيام تدخل الجنة بسلام – رواه أحمد وابن حبان وصححه والحاكم وقال صحيح الإسناد .
7- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: عن النبي صلي الله عليه وسلم من موجبات الرحمة إطعام المسلم المسكين - رواه الحاكم وصححه والبيهقي
8- عن عدي بن حاتم رضي الله عنه:
عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه ذكر النار فتعوذ منها فأشاح بوجهه ثلاث
مرار ثم قال: إتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة - رواه مسلم ، أنظر (شرح مسلم للنووي 7/100) (باب الحث علي الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنـها حجاب من النار) .
9- عن
عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم
أعبدو الرحمن وأطعموا الطعام وافشوا السلام تدخلوا الجنة بسلام – رواه الترمذي ، وقال: حديث حسن صحيح .
10- وعنه
أيضا: عن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: إن في الجنة غرفا يري ظاهرها
من باطنها ، وباطنها من ظاهرها فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول
الله ؟ قال: لمن أطاب الكلام ، وأطعم الطعام وبات قائما والناس نيام- رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن والحاكم وقال: صحيح علي شرطهما ، وراه إبن حبان في صحيحه عن أبي مالك الأشعري .
11- وعنه
أيضا: قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم من أطعم أخاه حتي يشبعه وسقاه
حتي يرويه باعده الله من النار سبع خنادق ما بين كل خندقين مسيرة خمسائة
عام - روا الطبراني في الكبير ، والبيهقي ، والحاكم وقال: صحيح الإسناد .
12- وعن
عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن رجلا جاء إلي رسول الله صلي الله
عليه وسلم ، فقال: أنزع في حوضي حتي إذا ملأته لإبلي ورد علي البعير لغيري
فسقيته فهل في ذلك من أجر؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم إن في كل
ذات كبد أجراً – رواه أحمد ورواته ثقات مشهورون .
13- عن
محمود بن الربيع أن سراقة بن جعشم قال: يارسول الله الضالة ترد علي حوضي
فهل لي فيها من أجر إن سقيتها ، قال: إسقها فإن في في كل ذات كبد حرّاء
أجراً . رواه ابن ماجه والبيهقي وابن حبان في صحيحه .
14- عن
أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: بيما يمشي
رجل بطريق إشتد عليه الحرّ فوجد بئراً فنـزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب
يلهث يأكل الثري من العطش ، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل
الذي كان مني ، فنـزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتي رقي فسقي
الكلب فشكرالله له فغفر له ، قالوا يا رسول الله إن لنا في البهائم أجراً
، فقال في كل كبد رطبة أجر _ رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود وابن حبان في صحيحه ، إلا أنه قال: "فشكر الله له فأدخله الله الجنة" – إلخ .
أنظر كل هذه الأحاديث وغيرها من كتاب (الترغيب والترهيب 2/62-76) للإمام الحافظ زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري .
العـتـاقــة أو الفــداء
وسمي
بذلك تفائلا ورجاء لإعتاق وإفداء من قَرأها أو قُرأ لها من النار ، كما
جاءت بذلك الأحاديث والآثار التي تشير إلي أن كلمة التوحيد وهي (لآ اله
إلا الله) فداء من النار ، وأن من كان آخركلامه (لآ إله إلا
الله) دخل الجنة ، وتنقسم العتاقة الي قسمين كبري وصغري ، فالكبري قراءة
سورة الإخلاص مأئة ألف مرة ، والصغري سبعون ألف تـهليلة ، وحكمها
الإستحباب عند أهل العلم ، قال شيخنا العلامة نجم الدين عثمان شيخ عمر شيخ
داود (حدغ) في كتابه التوضيح في شرح أذكار التسبيح (ص-122) إعلم أنه اشتهر
بين الناس قرآءة (لآإله إله إلا الله) سبعين ألف مرّة عن الأموات
ويسمونـها بالفدية أو العتاقة ويذكرون لذلك حديثاً مرفوعا ، وفي كشف
الشبهات للشيخ محمود حسن ربيع أن العتاقة المعروفة بين الناس كبري وصغري
فألأولي هي قراءة قل هو الله أحد مأئة ألف مرّة لما روي
البزار عن أنس ابن مالك عن النبي صلي الله عليه وسلم (من قرأ قل هو الله
أحد مأئة ألف مرّة فقد اشتري نفسه من الله ونادي مناد من قبل الله الا إن
فلانا عتيق الله فمن له من قبله تباعة فليأخذها من الله عزّ وجلّ) وذكر
هذا الحديث أبو المواهب الشاذلي في كتاب عنوان أهل السر المصون ، وذكره
الجوهري في حاشيته علي شرح السوسنية – وقال أيضاً: وروي إبراهيم بن حميد
الخياري في فوائده والرافعي عن حذيفة حديث (من قرأ قل هو الله أحد ألف مرة
فقد اشتري نفسه من الله) وفي الجامع الصغير: من النار بدل
قوله من الله ، قال العزيزي أي يجعل الله له ثواب قراءتـها عتقه من النار
، وقال المناوي: وينبغي قراءتـها عن الميت ، وأما العتاقة الصغري فهي أن
يقول المرأ (لآاله إلا الله) سبعين ألف مرة وقد إعتاد الناس ذكر هذا العدد
– إلخ ما في التوضيح شرح أذكار التسبيح .
وهذه
الأحاديث وإن كانت في أسانيدها لين إلا أنـها قائمة للإستدلال لكونـها
مروية في فضائل الأعمال بل عند جمع رواياتـها ترتقي إلي درجة الحسن كما هو
معلوم في فن الصطلح ، ولكن أصرح دليل وأقواه في هذا الباب هو مارواه
البخاري ومسلم عن أبي ذر رضي الله عنه: (أن أناسا من أصحاب رسول الله صلي
الله عليه وسلم قالوا للنبي صلي الله عليه وسلم يارسول الله ذهب أهل
الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم
قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون؟ إن لكم بكل تسبيحة صدقة وكلِّ
تكبيرة صدقة وكلِّ تحميدة صدقة وأمر بالمعروف ونـهي عن منكر صدقة – الحديث
، وروي مسلم وغيره (والكلمة الطيبة صدقة) الحديث ، وروي مسلم أيضاً (كل
معروف صدقة) الحديث ، قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم (7/89-105) في كتاب الزكاة: باب الخامس عشر: (باب في وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه) وقال
في الباب السادس عشر الذي يليه (باب بيان أن إسم الصدقة يقع علي كل نوع من
المعروف) فأورد هذه الأحاديث وغيرها إستدلالا منه بأن الذكر وغيره من كل
برّ ومعروف من الصدقة ، بعدما قدم أن الصدقة تصل إلي الميت وتنفعها
إجماعاً ، وعلي هذا أن كل من قرأ تلك الأذكار وأهدي ثوابـها إلي الأموات
يصلها بلا مراء لنصِّ قوله صلي الله عليه وسلم (إن لكم بكل تسبيحة صدقة) –
إلخ ،وقوله صلي الله عليه وسلم (والكلمة الطيبة صدقة) الحديث ، وقوله صلي الله عليه وسلم (كل معروف صدقة) .
وقال الإمام شمس الدين القرطبي:كتابه التذكرة في أحوال الموتي وأمور الآخرة (1/75-76) أصل
هذا الباب - اي القراءة - الصدقة التي لااختلاف فيها فكما يصل للميت
ثوابـها فكذلك تصل قراءة القرءان والدعاء والاستغفار إذكل ذلك صدقة فان
الصدقة لاتختص بالمال ، قال صلي الله عليه وسلم وقد سئل عن قصرالصلاة في
حالة أمن ، فقال: صدقةٌ تصدق الله بـها عليكم فاقبلوا صدقته ، وقال عليه
السلام يصبح علي كل سلامي من أحدكم صدقة وكل تكبيرة صدقة ويجزء عن ذلك
ركعتان يركعهما من الضحي ، ولهذ إستحب العلماء عند زيارة القبور لان
القرءاة تحفة الميت من زائره ، إهـ ما في التذكرة .
وفي فتاوي إبن تيمية: (24/324)
سئل عن قراءة أهل الميت التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير إذا أهداه
الميت يصل ثوابـها أم لا؟ - فأجاب: يصل إلي الميت قراءة أهله وتسبيحهم
وتكبيرهم وسائر ذكر الله تعالي إذا أهدوه إلي الميت وصل إليه والله أعلم ،
وذكرفي نفس المرجع جواز أخذ الأجرة بالفداء .
مشروعية المواسم السنوية لزيارة القبور والصدقة للأموات
قال
أهل الشقاق المعاصرون الزيارة والصدقة الموسمية بدعة وحرام ، وهذا إفتراء
ومجازفة بل هي رجم بالغيب ، تكذبـها الأدلة الشرعية ، لأن الزيارة والصدقة
في المواسم السنوية أوالمؤقتة مشروعة فلم يأت فيهما أي نـهي في الشرع لا
في كتاب ولا في سنة ولاحتي في أثر ، بل ورد في مشروعيتهما أدلة أوضح من
الشمس في رابعة النهار .
ومما ورد في موسمية زيارة القبور:
1-
مارواه ابن جرير الطبري بسنده عند تفسير قوله تعالي في سورة الرعد (آية
24) (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار) قال بعد سياق سنده: كان رسول
الله صلي الله عليه وسلم يأتي قبور الشهداء علي رأس كل حول ويقول لهم "سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار، وأبو بكر وعمر وعثمان إهـ، "جامع البيان في تفسير آي القرآن" المشهور بتفسير الطبري.
وقال الحافظ ابن كثير: في تفسير هذه الآية أيضاً – وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلي الله عليه وسلم
كان يزور قبور الشهداء في رأس كل حول ويقول لهم سلام عليكم بما صبرتم فنعم
عقبي الدار، وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان إهـ تفسير ابن كثير 2/511
وقال الحافظ ابن كثير أيضاً في كتابه البداية والنهاية: بعد ذكره رواية البيهقي الآتية قال ما لفطه: قال الواقدي كان رسول الله صلي الله عليه وسلم
يزورهم - أي الشهداء -كلّ حول ويقول لهم السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي
الدار، ثم كان أبو بكر يفعل ذلك كل حول ثم عمر ثم عثمان إهـ البداية
والنهاية 4/45 .
2- وري البيهقي في كتابه دلائل النبوة بسده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يأتي الشهداء فإذا أتي فرضة الشعب يقول السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار، ثم كان أبو بكر رضي الله عنه بعد النبي صلي الله عليه وسلم يفعله، وكان عمر رضي الله عنه بعد أبي بكر يفعله وكان عثمان رضي الله عنه بعد عمر يفعله إهـ دلائل النبوة 3/306 .
3- وللحاكم من حديث علي بن الحسين عن علي أن فاطمة بنت النبي صلي الله عليه وسلم
كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده – أنظر (المستدرك
للحاكم رقم الحديث 1396- وانظر تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي
الكبير ج2/137 في كتاب الجنائز- وانظر الموسوعة اليوسفية في بيان أدلة
الصوفية 1/322) .
4-
وقال الشيخ أبي بكر بن سيد محمد البكري الشافعي في كتابه إعانة الطالبين:
ويأكد نذب الزيارة في الأقارب ، خصوصا الأبوين ولو كانا ببلد آخر غير
البلد الذي هو فيه ، فقد روي الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم:
"من زار قير والديه أو أحدهما في كل جمعة غفر الله له وكان بارا بوالديه"
، وفي رواية: "من زار قبر والديه كل جمعة أو أحدهما فقرأ عنده سورة ياسين
والقرآن الحكيم غفر الله له بعدد ذلك آية أو حرفا" ، وفي رواية: "من زار
قبر والديه أو أحدهما كان كحجة" ، وروي أن الرجل يموت والداه وهو عاق لهما
من بعدهما فيكتبه الله من البارين . إهـ ، (حاشية إعانة الطالبين علي فتح
المعين بشرح قرة العين بـمهمات الدين 2/142) .
ومما ورد في موسمية الصدقة للميت:
1- ما رواه نبيشة رضي الله عنه قال نادي رجل إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في
رجب فما تأمرنا ؟ - قال إذبحوا لله في أي شهركان وبرّوا لله وأطعموا ، قال
إنا كنا نُفرِع فَرَعاً في الجاهلية فما تأمرنا؟ قال في كل سائمة فَرَعٌ
تغذوه ماشيتك حتي إذا استجمل ذبحته فتصدقت بلحمه علي إبن السبيل فإن ذلك
خير" - رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه الحاكم وابن المنذر (أنظر
فتح الباري 9/597 - وانظر التاج الجامع للأصول 3/109) قال الحافظ العسقلاني في الفتح وفي رواية أبي داود عن أبي قلابة السائمة مائة .
2-
عن أبي رزين لقيط بن عامر العقيلي قال قلت يا رسول الله إنا كنا نذبح
ذبائح في رجب فنأكل ونطعم من جاءنا فقال لا بأس به"- رواه أبو داود
والنسائي، وصححه ابن حبان ، (أنظر فتح الباري 9/598 – وانظر (التاج الجامع
للأصول 3/108) قال بعض التابعين كوكيع ابن عديس وأبوعبيد
وابن سيرين وسفيان بن عيينة والشافعي وأحمد وغيرهم، إن الفَرَعَ
والعَتِيرَةَ مستحبان ، وأجابوا عن حديث أبي هريرة رضي الله عنه "لا
فَرَعَ ولا عَتِيرة" الذي رواه الشيخان وأصحاب السنن – أي واجبان ، (أنظر
فتح الباري 9/596-598 - وانظر أيضا: لطائف المعارف فيما لمواسم العام من
الوطائف - ص 225-228) .
3- عن مخنف بن سليم رضي الله عنه كنا وقوفا مع النبي صلي الله عليه وسلم
بعرفة فسمعته يقول ياءيها الناس علي كل أهل بيت في كل عام أُضحية وعتيرة
هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي يسمونـها الرجبية" رواه أصحاب السنن – (قال
الالحافظ العسقلاني في الفتح 9/597 قفد ضعفه الخطابي لكن حسنه الترمذي –
وانظر لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوطائف – ص 225) .
توقيت العبادات مطلقا سواء كانت واجبة أوسنة
تنقسم
العبادة إلي مؤقتة بوقت معين ، سواء كانت العبادة واجبة أو سنة ، أوكانت
العبادة سنوية أوشهرية أو أسبوعية أويومية ، وذلك مماهو مشهور وله أصل
أصيل في دين الإسلام ، فمن الواجبات المؤقتة الصلوات الخمسة والزّكاة
والصّوم والحج ، ومن المسنونات المؤقتة الرواتب التي قبل الصلوات المفروضة
وبعدها ، وصوم يوم اللإثنين والخميس وأيام البيض والأيام الستة من شوال
ويوم عاشورآء ونحو ذلك ، وإلي مطلقة غير مقيدة بوقت معين وهوما عدا ذلك من
العبادات والطاعات المطلقة التي ليس لها أوقات معينة ، كقراءة القرآن
والذكر والصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم
والصدقة والإعتكاف والزّيارة ونحو ذلك ، فلكل أحد من المسلين توقيت تلك
العبادات المطلقة لنفسه وقتا معيناً كأن عيّن لنفسه وقتا لقرآءة حِزبٍ أو
جُزءٍ من القرآن فله ذلك بلانكير ، بل يسن مداومته بوقته الذي إعتاده
أوعيّنه لنفسه – لقوله صلي الله عليه وسلم إن أحب الأعمال إلي الله أدومها وإن قلّ ، وفي رواية "وإن
أحبّ الأعمال إلي الله ما دُوْوِمَ عليه وإن قلّ "رواه البخاري ومسلم –
(أنظر فتح الباري 1/103) ، وفي رواية البخاري "عليكم بما تطيقون فو الله
لا يملّ الله حتي تملّوا وكان أحب الدّين إليه ما دام عليه صاحبه" قال الحافظ العسقلاني:
أي إشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه ، فمنطوقه يقتضي الأمر
بالإقتصار علي ما يطاق من العبادة ، وقال أيضاً: قلت سبب وروده خاص بصلاة
الليل لكن اللفط عام وهو المعتبر ، إهـ . (فتح الباري 1/102) ، وقال صلي الله عليه وسلم
لعبد الله بن عمرو بن العاص "لا تكن كفلان فإنه كان يقوم الليل ثم تركه"
رواه البخاري – قال الحافظ العسقلاني: فيه إستحباب الدوام علي ما اعتاده
المرء من الخير من غير تفريط ، ويستنبط منه كراهية قطع العبادة وإن لم تكن
واجبة ، إهـ (فتح الباري 3/38) .
قضاء ما فات وقتها من العبادات سواء كانت واجبة أو سنة
قال صلي الله عليه وسلم
من نام عن حزبه من الليل أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة
الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل - رواه مسلم ، أنظر (دليل الفالحين شرح
رياض الصالحين 1/407) وفي رواية "من نام عن حزبه فليأت من النهار مثله" قال الإمام النووي:
في كتابه رياض الصالحين (باب المحافظة علي الأعمال الصالحة وترك التهاون
بـها والتساهل فيها) وأورد هذه الأدلة وغيرها ، أنظر دليل الفالحين شرح
رياض الصالحين (1/405-409) ، ومعلوم أن المحافظة والمداومة علي الأعمال
الصالحة لاتمكن إلا بإتيانـها في أوقاتـها المعتادة ، وزيارة القبور من
هذا القبيل ، أي من العبادات المطلقة التي ليس لها وقت معين ، فلا مانع
بتوقيت الزائر لزيارته وقتا معينا ، كما ثبت في هذه الأدلة .
تعيين الشخص من تلقاء نفسه لبعض عبادته وقتا مخصوصا
روي
الشيخان والترمذي عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: كان ابن مسعود رضي الله
عنه يذكرنا في كل خميس مرة فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك
ذكرتنا كل يوم ، فقال إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم ، وإني أتخولكم
بالموعظة كما كان رسول الله صلي الله عليه وسلم
يتخولنا بـها مخافة السآمة علينا – أنظر (التاج الجامع للأصول 1/71-72 ،
ودليل الفالحين شرح رياض الصالحين 3/170-171) – وترجم البخاري في الباب
الحادي عشر والثاني عشر من صحيحه: (باب ما كان يتخولهم النبي صلي الله عليه وسلم
بالموعظة والعلم كي لا ينفروا) (وباب من جعل لأهل العلم أياما معلومة) ،
فمتي كان تعيين الشخص لعبادة ربه وقتـا مخصوصا حراما وبدعة ؟!! – فإذا
يستفاذ من هذه الأدلة وأخري لا تنحصر في هذا المكان أن مقالة أهل البدع "لاتجوز زيارة أو صدقة موقتة أو موسمية"
هي مقالة شيطانية وقاعدة بدعية غيرمعروفة عند أهل العلم سلفا وخلفا ، ولم
يقل أحد منهم فضلا من أن ينقل منهم مثل هذه الخرافات اللاّدينية .
قال الحافظ العسقلاني:
ويستفاذ من الحديث إستحباب ترك المداومة في الجدّ في العمل الصالح خشية
الملال ، وإن كانت المواظبة مطلوبة لكنها علي قسمين: إما كل يوم مع عدم
التكلف ، وإما يوما بعد يوم ، فيكون يوم الترك لأجل الراحة ليقبل علي
الثاني بنشاط ، وإما يوما في الجمعة ، ويختلف باختلاف الأحوال والأشخاص
والضابط الحاجة مع مراعات وجود النشاط ، واحتمل عمل ابن مسعود مع إستدلاله
أن يكون إقتدي بفعل النبي صلي الله عليه وسلم حتي في اليوم الذي عينه ، واحتمل أن يكون بمجرد التخلل بين العمل والترك الذي عبر عنه بالتخول والثاني أظهر . إهـ ، أنظر (فتح الباري 1/163) .
ومما يدل أيضا مشروعية توقيت العمل الصالح: ما قدمناه في مشروعية إحتفال مولد النبي صلي الله عليه وسلم ، من أن النبي صلي الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء ، الحديث - روا الشيخان وأبو داود ، أنظر (التاج الجامع للأصول 2/89-90) .
قال الحافظ العسقلاني:
(فيستفاذ منه فعل الشكر لله علي ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو
دفع نقمة ، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة ، (الحاوي للفتاوي
للسيوطي 1/196 – والزرقاني علي المواهب اللدنية 1/140) .
ولما ثبت أيضا من الصحابة أنـهم كانوا يجتمعون في أول الإسلام كل جمعة في دار أسعدبن زرارة يشكرون
الله تعالي علي ما أنعم عليهم من نعمة الإسلام ، فيذبحون شاة فيتغذون
ويتعشون منها - (أنظر تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير 2/56
في أول كتاب الجمعة في شرح حديث 625 ) وذكر العسقلاني هذه القصة في (فتح
الباري 2/353) في أول كتاب الجمعة وصحح إسنادها ، وانظر أيضا تفسير
القرطبي ج18/98 ، في قوله تعالي (ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من
يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنيم تعلمون)
سورة الجمعة آية 9 .
إطعام الطعام عن الميت عقب الدّفن سنة
قال أهل لجدال والتكفير: إن الإطعام عن الميت عقب دفنه حرام لأنه لا يكون إلا نياحة والنياحة حرام ، وهذا إدعاء باطل تكذبـها الأدلة والآثار وأقوال العلماء الواردة في ذلك ، وإليك بـها:
1- عن
عاصم ابن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار: قال خرجت مع رسول الله صلي الله
عليه وسلم في جنازة فرأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو على القبر
يوصىالحافر يقول أوسع من قبل رجليه أوسع من قبل رأسه فلما رجعنا إستقبله داعي إمراته فأجاب
ونحن معه فجيئ بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا فنظرنا إلى رسول الله
صلي الله عليه وسلم يلوك لقمة في فيه ثم قال أجد لحم شاة أخذت بغير إذن
أهلها فأرسلت المرأة تقول يا رسول الله إني أرسلت ألى النقيع وهو موضع
يباع فيه الغنم ليشترى لي شاة فلم توجد فأرسلت إلى جارلي قد اشترى شاة أن
يرسل بـها إليّ بثمنها فلم يوجد فارسلت إلى إمراته فار سلت إليّ بـها فقال
رسول الله صلي الله عليه وسلم أطعمي هذا الطعام الأ سرى - )رواه أبو داود 3 /644- ورواه البيهقي قي سنن الكبرى 5/335- ورواه أحمد في المسند ج5/ 293- 294 - ورواه الدار قطني 4/685(- وقال الحافظ الزيلعى إسناده صحيح - أنظر نصب الرّاية في تخريج أحاديث الهداية )4/168( .
ونقل رواية الضمير في قوله داعي إمرأته الشيخ العلاّمة المحدث محمد ابن عبد الله الخطيب التبريزى في كتابه مشكاة المصابيح (3/1671رقم الحديث 5942) كتاب الفضائل والشمائل في باب المعجزات وقال رواه ابو داود والبيهقى في دلا ئل النبوة
قال الشيخ العلاّمة إسماعيل عثمان الزين:
قال صاحب عون المعبود: كذا في النسخ الحاضرة ، وفي المشكاة داعي إمرأته
بالإضاقة إلي الضمير ، قال القارئ: أي زوجة المتوفي ، ثم قال صاحب عون
المعبود في آخر شرح الحديث: والحديث سكت عنه المنذري . إهـ (قرة العين بفتاوي إسماعيل الزين176) .
وقال
الشيخ إسماعيل أيضاً: وكون بعض روايات الحديث المذكور في سنن أبي داود
وغيرها بتنوين إمرأة من غير إضافة إلي الضمير يكفي فيه رواية المشكاة التي
فيها لفط إمرأته بالإضافة إلي ضمير زوجة الميت كما قاله في
المرقاة فتكون رواية المشكاة مبينة للإجمال ورافعة للإشكال كما هو المعروف
بين أهل العلم من حمل المطلق علي المقيد والمجمل علي المبين والعام علي
الخاص لا سيما والدليلان قائمان سندا ومتنا والنظر في قواعد الشرع يقتضي
بما قلناه ، فلا حاجة إلي التنفير بما ظاهره القربة والطاعة ، وإنما
الأعمال بالنيات وإنما لكل امرإ ما نوي . إهـ (قرة العين بفتاوي إسماعيل
الزين 180) .
قال الألبانى: في تقريره بالمشكاة (فلما رجع إستقبله داعى إمراته)
أى إستقبله داعى زوجة المتوفى والذي في سنن أبى داود بالتنكير وإسناده
صحيح ، وسياق الحديث هنا مغاير لسياقه فى بعض الأحرف والجمل فالطاهر أن
السياق للبيهقى والله أعلم ، أهـ مشكاة المصابيح (3/1671- 1672)
وقال الحافظ زين الدين عبد الرّحيم العراقى: في كتابه المغنى عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأسفار (2/131) رواه أحمد وإسناده جيد .
قال
العلامة المحدث مُلا علي بن سليمان محمد القاري الحنفي في كتابه مرقاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح في باب معجزات النبي صلي الله عليه وسلم في
شرح هذا الحديث: (هذا الحديث بطاهره يرد علي ما قرره أصحاب مذهبنا من أنه
يكره إتخاذ الطعام في اليوم الأول أو الثالث أو بعد الأسبوع كما في
البزازية وذكر في الخلاصة أنه يباح إتخاذ الضيافة عند ثلثة أيام ، وقال
الزيلعي: ولا بأس بالجلوس للمصيبة إلي ثلاث من غير إرتكاب محظور من فرش
البسط والأطعمة من أهل البيت ، وقا ابن الهمام: يكره إتخاذ الضيافة من أهل
البيت والكل عللو بأنه شرع في السرور لا في الشرور قال وهي بدعة مستقبحة ،
روي الإمام أحمد وابن حبان بإسناد صحيح عن جرير بن عبد الله قال: "كنا نعد
الإجتماع لأهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة" إنتهي ، ثم قال ملا علي
القاري: فينبغي أن يقيد كلامهم بنوع خاص من إجتماع يوجب إستحياء أهل بيت
الميت فيطعمونه كرها أو يحمل علي كون بعض الورثة صغيرا أو غائبا أولم يعرف
رضاه أولم يكن الطعام من أحد معين من مال نفسه لا من مال الميت قبل قسمته
ونحو ذلك ، وعليه يحمل قول قاضي خان: يكره إتخاذ الضيافة في أيام المصيبة
لأنـها أيام تأسف فلا يليق بـها ما يكون للسرور ، وإن اتخذ طعاما للفقراء كان حسنا ، وأما الوصية باتخاذ الطعام بعد موته ليطعم الناس ثلاثة فباطلة علي الأصح وقبل يجوز من الثلث وهو الأظهر . إهـ (مرقاة المصابيح شرح مشكاة المصابيح 5/482) .
2- عن عائشة رضى الله عنها: أنـها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء ثم تفرقن إلا أهلها وخاصتها أمرت ببرمة من تلبينة فطبحت ثم صبت على ثريد ثم قالت كلن ، فإني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب بعض الحزن . رواه الشيخان - (فتح البارئ 1/146) و (التاج الجامع للأصول 3/208) ، واستدل هذا الحديث لهذه المسألة قال الشيخ العلاّمة إسماعيل عثمان الزين في كتابه (قرّة العين في فتاوي إسماعيل الزين 180) .
3- عن مريم بنت فروة: أن عمران بن حصين لما حضرته الوفاة قال إذا أنامت فشدوا على بطنى عمامة وإذا رجعتم فا نحروا وأطعموا – (رواه الطبرانى في الكبير - أنظر مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للحافظ نورالدين على بن أبى بكرالهيثمى 3 ص5) في (باب الطّعام يصنع) الذى ذكر بعد باب التعزية والثناء على الميت .
4- طاووس
بن كيسان وعن عبيد بن عمير ومجاهد: (إن الموتى يفتنون في قبورهم سبعاً
فكانوا يستحبون أن يطعم عنهم تلك الأيام) ، وفي بعض الروايات "من يوم دفن
الميت" - رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد ، والحافط أبو نعيم الأصبهاني في
كتابه حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ج2ص12، والشيخ كمال الدين الدميري من
الشافعية في حياة الحيوان ، والحافظ ابن حجر العسقلاني في المطالب العالية
، أنظر كل ذلك (من الحاوى للفتاوى للحافظ السيوطي -2/168 ، في رسالة 66
وهي رسالة مستقلة سماها طلوع الثرايا باظهار ما كان خفيا، تكلم فيها بكل
جوانب هذا الأثر من إسنادها ومتنها وحكمها وغير ذلك) .
وممن نقل هذا الأثر أيضا من العلماء في كتبهم ، الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني في كتابه (المطالب العالية 1/199) ، والحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في كتابه (صفة الصفوة 1/191) ، والإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي في كتابه (الفتاوي الكبري الفقهية 2/30 – 31) ، والإمام محمد بن الحسن الواسطي في كتابه (مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب 2/444)
، وكلهم صححوا إسناد هذا الأثر ونقلوها في ترجمة طاؤوس بن كيسان ، وقد روي
هذا الأثر عن ثلاثة من كبار التابعين طاؤوس بن كيسان ، وعبيد بن عمير ،
ومجاهد .
وقال
صاحب التحقيق لكتاب المطالب العالية بزوائد المساند الثمانية للحافظ ابن
حجر العسقلاني ، الأستاذ المحدث الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي "إسناده قوي" . (المطالب العالية 1/199) .
قال الحافظ السيوطي: رجال
الإسناد الأول رجال الصحيح ، وطاؤوس من كبار التابعين قال أبو نعيم في
الحلية: هو أول الطبقة من أهل اليمن ، وروي أبو نعيم عنه أنه قال: أدركت
خمسين من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وروي غيره عنه أدركت سبعين
شيخا من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم ، قال ابن سعد: كان له يوم
مات بضع وتسعون سنة ، ثم قال السيوطي: فإن وفاة طاؤوس سنة بضع عشرة ومائة
في أحد الأقوال . إهـ ، (الحاوي للفتاوي 2/169) .
قال السيوطي: وهو – أي عبيد بن عمير - أكبر من طاؤوس في التابعين ، بل قيل إنه صحابي . إهـ (الحاوي للفتاوي 2/168)
، وقال أيضا: وهما تابعيان - أي مجاهد وعمير - إن لم يكن عمير صحابياً ،
إلي أن قال السيوطي- قوله: (كانوا يستحبون) من باب قول التابعي كانوا
يفعلون وفيه قولان لأهل الحديث والأصول ، أحدهما: أنه من باب المرفوع وأن
معناه كان الناس يفعلون ذلك في عهد النبي صلي الله عليه وسلم ويعلم به
ويقرّ عليه ، والثاني: أنه من باب العزو إلي الصحابة دون إنتهائه إلي
النبي صلي الله عليه وسلم . إهـ (الحاوي للفتاوي 2/173) . إهـ . وكلاهما حجة كما هو معلوم .
5- عن أحنف بن قيس: كنت
أسمع عمر يقول لايدخل أحد من قريش في باب إلا دخل معه ناس فلا أدري ما
تأويل قوله حتي طعن عمر فأمر صهيبا أن يصلى بالناس ثلاثا وأمر بأن يجعل
للناس طعاماً فلما رجعوا من الجنازة جاءوا وقد وضعت الموائد فأمسك الناس
عنها للحزن الذي همّ فيه فجاء العباس بن عبد المطلب فقال: ياأيها الناس قد
مات رسول الله صلي الله عليه وسلم فأكلنا بعده وشربنا ومات أبوبكر فأكلنا
بعده وشربنا أيها الناس كلوا من هذا الطعام فمد يده ومد الناس أيديهم
فأكلوا رفت تأويل ذلك - أنظرمطالب العالية في (باب صنعة الطعام لأهل
الميت) (1/198-199) وقال صاحب التحقيق لكتاب المطالب العالية
بزوائد المساند الثمانية للحافظ إبن حجر العسقلاني الأستاذ المحدث الشيخ
حبيب الرحمن الأعظمي إسناده حسن .
حديث جرير بن عبد الله البجلي (كنا نعد الإجتماع) لا يحرم الإطعام عن الميت المسلم عقب دفنه
إطلاق
المنع من صنع الطعام عقب دفن الميت مردود بل ورد عكس ذلك في كتب الحديث
والفقه وهو صنع الطعام في هذه الحالة ، وذلك لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب
رضي الله عنه ، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (إصنعوا لآل جعفر طعاما
فقد جاءهم ما يشغلهم) رواه الترمذي وابن ماجه والدارقطني والحاكم وصححه ووافقه الذهبي .
وكانت
عائشة رضي الله عنها: إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء ثم تفرقن
إلا أهلها وخاصتها أمرت ببرمة من تلبينة ثم صبت علي ثريد ثم قالت كلن –
الحديث . رواه البخاري ، (فتح البارئ 1/146) و (التاج الجامع للأصول(3/208) .
وورد
بذلك أيضا نصوص وآثار ثابتة عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كما قدمنا
، وخرج بذلك قول من أطلق أن صنع الطعام عقب الدفن حرام .
وقد
ورد في مشروعية الصدقة عن الميت أحاديث وآثار كثيرة ، كحديث سعد بن عبادة
رضي الله عنه الصحيح المشهور ، لما أتي إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم
فقال إن أمي أفتلتت نفسها ولم توص وأطنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن
تصدقت عنها؟ قال نعم – (رواه الشيخان والنسائي ، أنظر التاج 1/383) وهذا
الحديث وحده كاف بالحجة والإستدلال إذ لم يقيد صلي الله عليه وسلم التصدق
عن الميت بوقت دون وقت ومن زعم التخصيص أو التقييد بوقت طولب منه لأنه
تخيص بلا دليل ، إذ لا تخيص بدون مخصص ولا تقييد بدون مقيد ، وأما الزعم
بأن حديث جرير بن عبد الله البجلي يخصص عموم حديث سعد بن معاد الصحيح ،
فهذا أيضا زعم باطل لم يقل به أحد من أهل العلم سلفا وخلفا .
وتبويب
كتب الحديث لصنع الطعام مشهورة بعد باب التعزية ، أو في أبواب الصدقة ،
كصحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ، ومطالب العالية
ومجمع الزوائد ، وكثير من علماء الحديث عقدوا في كتبهم (أبواب الإطعام عن
الميت) وذلك بعد باب التعزية مباشرة ، مما يدل علي أن الإطعام عن الميت في
هذه الحالة مستحب .
أمـّا المنع الوارد:
في حديث جرير بن عبد الله البجلي (كنا نعد الإجتماع لأهل الميت وصنعهم
الطعام من النياحة) رواه أحمد وابن ماجه ، فمخصوص في تـهيئة الطعام
للنائحات أو لقصد مجرد الإجتماع للطعام أو للمعزين فقط ، أو من تركة الميت
قبل قسمتها ، لا لقصد التصدق عن الميت التي أجمعت عليه الأمة بغير قيد
بوقت معين ، بل في كل وقت وحين عقب الدفن أو بعده ، ومعلوم كما تنص
القاعدة المشهورة (أن الأمور بمقاصدها) لقوله صلي الله عليه وسلم ( إنما
الأعمال بالنيات وإنما لكل امرإ ما نوي) رواه الشيخان وأصحاب السنن .
وأقوال العلماء في ذلك خير شاهد
قال الإمام النووي: في
كتابه المنهاج (و- يسن- لجيران أهله تـهيئة طعام يشبعهم يومهم وليلتهم
ويحرم تـهيئته للنائحات) قال شارحه إبن جحر الهيتمي في تحفة المحتاح: لأنه
إعانة علي معصية ، وما اعتيد من جعل أهل الميت طعاما ليدعوا الناس عليه بدعة مكروهة – إهـ (تحفة المحتاج 3/207- 208) .
أنظر قوله ليدعوا الناس عليه وهو مجرد دعوة الناس لأجل الطعام فقط لا لغرض صحيح آخر كالصدقة عن الميت ونحوه من الأمور المشروعة.
وقال الشيخ محمد خطيب الشربيني:
في كتابه مغني المحتاج ، ويسن لجيران أهله ولأقاربه الأباعد وإن كان الأهل
بغير بلد الميت تـهيئة طعام يشبعهم أي أهله الأقارب يومهم وليلتهم لقوله
صلي الله عليه وسلم لما جاء خبر قتل جعفر: (إصنعوا لآل جعفر طعاما فقد
جاءهم ما يشغلهم) حسنه الترمذي وصححه الحاكم ، ولأنه برّ ومعروف –إهـ (مغني المحتاج 1/367- 368) .
قال الحافظ السيوطي:
أن سنة الإطعام سبعة أيام بلغني أنـها مستمرة إلي الآن بمكة والمدينة ،
فالظاهر أنـها لم تترك من عهد الصحابة إلي الآن ، وأنـهم أخذوها خلفا عن
سلف إلي الصدر الأول . إهـ (الحاوي للفتاوي 2/183) .
أما وجه عدّه من النياحة:
قال الهيتمي في التحفة: ووجه عدّه من النياحة ما فيه من شدة الإهتمام بأمر
الحزن ، ومن ثم كره إجتماع أهل الميت ليقصدوا بالعزاء ، قال الأئمة بل
ينبغي أن ينصرفوا إلي حوائجهم فمن صادفهم عزاهم .
ثم قال الهيتمي: نعم إن فُعل لأهل الميت مع العلم بأنـهم يطعمون من حضرهم لم يكره – إهـ .
ومعني ذلك:
أن الممنوع هو مجرد الإجتماع لأجل الطعام أو لقصد العزاء فقط مما يثير
الهموم والأحزان ، أما إن صنع أهل الميت والجيران والأحبة وغيرهم طعاما
لباقي أهل الميت القريبين له مع العلم بأن هناك من يأكل معهم من المسلمين
لم يكره لأن هذا ليس من قبيل النياحة ، بل من باب المعروف والإحسان
والصدقة .
وجميع
عبارات العلماء من المحدثين والفقهاء تشير إلي أن سبب الحرمة مقصور في
هيئـة مخصوصة من فعل أمور غير مشروعة كتهيئة الطعام للنائحات أو لأجل
إجتماع الناس علي أكله فقط أو لجلوس أهل الميت لقصد عزاء الناس إليهم أو
لأجل جمع الناس للعزاء علي أهل الميت فقط ونحو ذلك .
أما
الصدقة عن الميت: سواء كانت عقب الدفن أو بعده فليست داخلة في هذا الباب
وليست مقيدة بوقت دون وقت كما قدمنا ، لأن الصدقة في واد والنياحة في واد
آخر لا يخلط بـهما إلا جاهل عن الشريعة أو محروم من الخير .
قال الشيخ المحدث ملا علي القاري:
في شرح حديث عاصم بن كليب "فينبغي أن يقيد كلامهم بنوع خاص من إجتماع يوجب
إستحياء أهل بيت الميت فيطعمونه كرها أو يحمل علي كون بعض الورثة صغيرا أو
غائبا أولم يعرف رضاه أولم يكن الطعام من أحد معين من مال نفسه لا من مال
الميت قبل قسمته ونحو ذلك ، وعليه يحمل قول قاضي خان: يكره إتخاذ الضيافة
في أيام المصيبة لأنـها أيام تأسف فلا يليق بـها ما يكون للسرور ، وإن اتخذ طعاما للفقراء كان حسنا ، وأما الوصية باتخاذ الطعام بعد موته ليطعم الناس ثلاثة فباطلة علي الأصح وقيل يجوز من الثلث وهو الأظهر" . إهـ (مرقاة المصابيح شرح مشكاة المصابيح 5/482) .
قال الشيخ العلاّمة إسماعيل عثمان الزين:
وما جاء عن جرير رضي الله عنه من قوله (كنا نعد الإجتماع إلي أهل الميت
وصنعهم من النياحة) فمحمول علي ما إذا كان مع إظهار الحزن ووجود الجزع .
ومما يرد هذا الإطلاق الباطل: ما جاء في كتب الفقه من إجابة الولائم المشروعة فعدوا (الوضيمة)
منها وهي الوليمة عند المصيبة ، قال الشيخ السيد أبي بكر المشهور بالسيد
البكري في كتابه إعانة الطالبين في حل ألفاط فتح المعين بشرح قرة العين
بمهمات الدين: ويسن إجابة سائر الولائم وهي إحدي عشرة منها ما ذكره الشارح
ومنها مالم يذكره وقد نظمها بعضهم مع أسمائها بقوله:
إن الولائم عشرة مع واحـد * من عدها قد عز في أقـرانه
فالخرص عند نفاسها وعقيقة * للظفل والإعذار عـند ختانه
ولحفـظ قرآن وآذاب لقـد * قالوا الحـذق لـحذقه وبيانه
ثم الملاك لعقـده ووليـمـة * في عرسه فاحرص علي إعلانه
وكـذا مأدبة بلا سبب يري * ووكيرة لبنائـه لمكــانـه
ونقيعة لقدومه ووضـيمـة * لمصيبة وتـكـون من جيرانه
إهـ ، (إعانة الطالبين 3/363) .
وهذا
الذي قدمنا يحصل به الجمع بين النصوص الواردة الكثيرة في إطعام الطعام عن
الميت عقب الدفن المتقدمة وأثر جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه ،
والقاعدة المشهورة في فن مصطلح الحديث إن النصوص إذا تعارضت وجب الجمع
بينها إن كان الجمع ممكنا أوكان هناك وجه للجمع وإن لم يمكن الجمع قدم
القرآن ثم الحديث المتواتر ثم الصحيح ثم الحسن وهكذا ، وهنا يمكن الجمع
كما تري فتنبه !! والله أعلم .
التـعـزيـة
التعزية لغة: مصدر عزى تعزية وهو التسلية والتصبير ، قال ابن منظور العزاء الصبر عن كل ما فقدت . إهـ (لسان العرب 4/2934) .
وشرعا: وهي كل ما يشعر بالتسلية من قول أو فعل كالوصية بالصبر والخير والمعروف للمصاب والمحزون عند المصيبة .
قال
الإمام النووي: واعلم أن التعزية هي التصبير وذكر ما يسلي صاحب الميت
ويخفف عن حزنه ويهوّن مصيبته وهي مستحبة فإنـها مشتملة علي الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر وهي داخلة أيضا في قوله تعالي: (وتعاونوا علي البر
التقوى) وهذا من أحسن ما استدل في التعزية . إهـ (الأذكار للنووي 4/140) .
وحكم التعزية: سنة إلا للمرأة الشابة وكذا غيرها عند خوف الفتنة ، قال الإمام الشافعي وهو يعزي لعبد الرحمن بن مهدي عن ابن له:
إني مُعَزِّيك لا أني علي ثقة من الخلود ولكن سنـة الدين
فما الْمُعَزََّى بباق بعد ميته ولا الْمُعَزِّي ولو عاشا إلي حين
الغزاء يكون بالقول وبالفعل
إعلم
أن العزاء ليس محصورا بالقول فقط بل يكون بالقول وبالفعل ، أما القول: فهو
أن يقول المسلم للمسلم مثلا أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك ، ونحو
ذلك مما يدل التسلية والعزاء ، إذلم ترد فيه صيغة مخصوصة .
وأما الفعل: فكصنع أقارب الميت وجيرانه الطعام لأهل الميت ، وذلك لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال رسول الله صلي الله عليه وسلم إصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاءهم ما يشغلهم رواه الترمذي وابن ماجه والدارقطني والحاكم وصححه ووافقه الذهبي .
ومن العزاء والتسلية لأهل الميت فعلا: الصدقة عن الميت ، وذلك لما ماتت أم سعد بن معاد جاء سعد إلي النبي صلي الله عليه وسلم فقال إن أمي ماتت ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن أتصدقت عنها قال نعم – روا الشيخان والنسائي .
نأخذ من هدين الحديثن :
1- إنتفاء
الزعم القائل بأن صنع الطعام عقب الميت نياحة وحرام ، وهذا زعم باطل بل هو
من العزاء والتسلية وهو مطلوب كما يفيد الحديث الأول .
2- أن الصدقة والإطعام عن الميت عقب موته مباشرة كانت في عهد رسول الله صلي
الله عليه وسلم ، كما في حديث سعد بن عبادة الصحابي الجليل ، وقد قدمنا
كثيرا من الأدلة الواردة في إطعام الطعام عن الميت عقب الدفن مباشرة .
وقت التعزية: فهو
عند أول المصيبة من اليوم الأول إلي اليوم الثالث للحاضر ، فإن كان
المُعَزِي أو صاحب المصيبة غائبا واتفق الرجوع بعد الثلاثة فالتعزية في
هذا الوقت ، وأفضل أوقاتـها بعد الدفن ، لكن إن رأى المُعَزِي من صاحب
المصيبة جزعا شديدا يقدم له التعزية في هذه الحالة .
إطلاق الناس التعزية علي الصدقة عن الميت
إشتهر علي ألسنة الناس إطلاق التعزية علي الصدقة والإطعام عن الميت ، فهذا أيضا مستند من الناحية الشرعية واللغوية .
أما من الناحية الشرعية: فقد علمت فيما قدمنا قريبا أن ذلك كان من العزاء والتسلية في عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم .
وأما
من الناحية اللغوية: فهو من إطلاق الجزء وإرادة الكل وهذا من المجاز
المرسل ، كقوله تعالي: (ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا) أُطلق الركوع
والسجود ، والمقصود صلوا لأن الركوع والسجود من الصلاة ، فعلي هذا لما كان
الإطعام عن الميت من العزاء المطلوب شرعا كما بينا ، صار الإطلاق عليه
باسم التعزية عرفا لأنه من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل
وله
أيضا مستند آخر من اللغة العربية: وهو كونه من باب (سرابيل تقيكم الحر)
يعني والبرد ، وهو باب الإكتفاء المعروف في اللغة ، لأنه لما كان الإطعام
جزء من العزاء شرعا كما علمت أكتفي به عن ذكر غيره من العزاء بالقول حتي
صار ذلك مشتهرا في ألسنة كثير من المسلمين في عالم الإسلام لا في قطرنا
خاصة .
الأحكام المتعلقة بزيارة القبور
تعريف الزيارة وحكمها:
الزيارة هي:
إنتقال الزائر إلى مكان المزور سواء كان المزور حيا أوميتا ، وسواء كان
مكان المزور قريبا أو بعيدا ، لعموم الأدلة من غير فرق ولا قيد بالقرب أو
بالبعد ، ولا تخصيص بالرجال دون النساء بل كلهم سواء في زيارة القبور .
حكمها: زيارة القبور سنة مؤكدة للرجال وجائزة للنساء ، سواء كانت القبور بعيدة أو قريبة .
الأدلة الواردة في زيارة القبور للرجال والنساء عموما
1- عن أبي بريدة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال كنت نـهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنـها تذكركم الآخرة – رواه الخمسة .
2- عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلي الله عليه وسلم
قال أتاني جبريل فقال إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفرلهم قالت
قلت كيف أقول لهم يارسول الله ؟ قال قولي السلام علي أهل الديارمن
المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء
الله بكم لاحقون – رواه مسلم . ويؤخذ من الحديث أيضا: زيارة النساء للقبور
.
3- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم أتي المقبرة فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون – رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي .
4- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال مرّ رسول الله صلي الله عليه وسلم بقور المدينة فأقبل عليهم بوحهه فقال السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر – رواه الترمذي .
5- عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلي الله عليه وسلم كلما
كان ليلتها من رسول الله يخرج من آخر الليل إلي البقيع فيقول السلام عليكم
دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون
اللهم اغفر لأهل البقيع الغرقد – رواه مسلم .
وأحاديث الزّيارة كثيرة معروفة .
الأدلة الواردة في زيارة النبي صلي الله عليه وسلم خصوصا والسفر إليها
إن
لفط الزيارة نفسه من جهة اللغة يدل علي الإنتقال من مكان إلي مكان
ولايتقيد هذا اللفط بقرب أوببعد ، أي أن معني الزيارة إنتقال الزائرالي
مكان المزور قريبا كان أو بعيدا ، إذلا يمكن إنتقال المكان إليه ، وليس
ثمة ما يدل الفرق بين المكان القريب أو البعيد ، واعلم أن النبي صلي الله عليه وسلم تكلم
بالعربية الفصحاء وأمر زيارة القبور من غير تفريق ولا تصريح باستثناء فمن
أين جاء هذا التفريق أو الإستثناء ؟ ، فهو إذاً تفريق بدعي لا يستند إلي
أي دليل ، أما من ادعي التفريق طولب منه الدليل وأُلزم بمطالبة من ذكر هذا التفريق من أهل العلم .
الدّليل الأول: من الكتاب
1-
قال الله تعالي: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة
ومن يخرج من بيته مهاجرا إلي الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره علي
الله وكان الله غفورا رحيما) (سورة النساء آية – 100) .
قال
الحافظ المفسر عماد الدين إسماعيل بن كثير عند تفسيره لهذه الآية: وهذا
عام في الهجرة وفي جميع الأعمال ومنه الحديث الثابت في الصحيحين في الرجل
الذي قتل تسعة وتسعين نفسا ثم أكمل بذلك العابد المأئة ثم سأل عالما هل له
من توبة؟ وقال له ومن يحول بينك وبين التوبة ثم أرشده إلي أن يتحول من
بلده إلي بلد أخري يعبد الله فيه فلما ارتحل من بلده مهاجرا إلي البلد
الأخري أدركه الموت في أثناء الطريق -الحديث ، (أنظر تفسير القرآن العظيم
المشهور بتفسير ابن كثير ج1/543) .
وقال
الشيخ المفسر سليمان بن عمر العجيلي الشهير بالجمل ناقلا عن أبي السعود
والخازن: في تفسير قوله تعالي (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلي الله ورسوله)
قالوا كل هجرة في فرض ديني من طلب علم أوحج أو جهاد أو نحو ذلك فهي هجرة
إلي الله ورسوله ،
وقال أيضا: ويدخل في حكم الآية من قصد فعل طاعة من الطاعات ثم عجز عن
إتمامها فيكتب الله له تلك الطاعة كاملا ، (أنظر تفسير فتوحات الإلهية
المشهور بالجمل ج1/418-419) .
وقال
الإمام الحافظ علي بن عبد الكافي السبكي: والقرآن ناطق به – أي بالوسيلة
إلي القربة قربة كالسفر إلي الزيارة – قال تعالي: (ومن يخرج من بيته
مهاجرا إلي الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره علي الله) وهذه الآية
يحسن أن تكون دليلا علي المقصود فإن المسافر لزيارة رسول الله صلي الله عليه وسلم خرج مهاجرا إلي الله ورسوله – (أنظر شفاء السقام في زيارة خير الأنام ص 105) .
2-
قال تعالي: (ولو أنـهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم
الرّسول لوجدوا الله توابا رحيما) سورة النساء آية 64 ، أي في الحياة وبعد
الإنتقال ومن أراد تخصيصها بحال الحياة طولب بذلك التخصيص ومن قاله من أهل
العلم .
هذه الآية عامة تشمل حالتي الحياة والإنتقال ، لأن في الآية الكريمة طلب المجيئ إليه صلي الله عليه وسلم في جميع الحالات لوقوع "جاءوك" في حيز الشرط الذي يدل علي العموم ، والفعل في سياق الشرط يفيد العموم كما هو مقرر في فن الأصول وغيره ، بل هو أعلي صيغ العموم .
قال
الشيخ العلامة المحدث السيد عبد الله بن صديق الغماري: فهذه الآية عامة
تشمل حالة الحياة وحالة الوفاة وتخصيصها بأحدهما يحتاج إلي دليل وهو مفقود
هنا – إلخ (الرد المحكم المتين ص 44) ، وقد فهم المفسرون من الآية هذا المعني .
قال
الحافظ المفسر عماد الدين إسماعيل ابن كثير الدمشقي: وقد ذكر جماعة منهم
الشيخ أبو النصر الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي قال
كنت جالسا عند قبر النبي صلي الله عليه وسلم فجاء
أعرابي فقال السلام عليكم يارسول الله سمعت الله يقول: (ولو أنـهم إذ
ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا
رحيما) وقد جئتك مستغفرا مستشفعا بك إلي ربي ثم أنشأ يقول :
يا خير من ذفنت بالقاع أعظمـه # فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت سـاكنـه # فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني فرأيت النبي صلي الله عليه وسلم في النوم فقال يا عتبي إلحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له . إهـ تفسير ابن كثير 2/306 .
خيـانة فاحشة إرتكبها بعض كتاب المنكرين وكشفها علماءالعصر
ذكر هذه القصة الإمام الحافظ أبو زكريا يحيي بن شرف النووي في كتابه الأذكار تحت عنوان ، (فصل: في زيارة قبر النبي صلي الله عليه وسلم) ،
إستدلالا بأن الآية عامة في الحالتين ، فحاولت طائفة من تجار الكتب
الوهابيين محاولة شنيعة وهي تحريف هذا العنوان وتبديله من الأذكار للإمام
النووي ، فكتبوا (فصل: في زيارة مسجد الرسول صلي الله عليه وسلم)
، وتلاعبوا جميع عبارة النووي هناك وحذفوا قصة العتبي كلها إشباعا لرغبتهم
ومشربـهم ودسيسة في الدين كفعل اليهود والنصاري الذين كانوا يحرفون الكلم
عن مواضعه ، ولكن هذه المحاولة باءت بالفشل عندما كشفها علماء العصر أطال
الله بقائهم كالشيخ حسن بن علي السقاف في رسالته (الإغاثة بأدلة
الإستغاثة) ، والشيخ محمود سعيد ممدوح في كتابه (رفع المنارة بتخريج
أحاديث التوسل والزيارة) ، ولا عجب إذ هذا صنيع أسلافهم من الخوارج
والمجسمة وسائر فرق الضالة المبتدعة الذين اعتادوا ذلك ، ولا يتحرجون
بتأييد آرئهم بكل ما يمكن لهم أويجدونه من الوسائل ، ولوكان ذلك بالكذب
والمكر والخيانة والبهتان ، فما أعظم الوقاحة والسفاهة !! ، قاتل الله
الكذاب لايعيش إلا في بيئة المكر والخيانة ، قال صلي الله عليه وسلم إن من كلام النبوة الأولي إذا لم تستحي فاصنع ما شئت .
وقد
ذكر هذه القصة أيضا كثير من العلماء في كتبهم كالشيخ ابن قدامة الحنبلي في
كتابه المغني 3/556 ، وليس محل الإستدلال كماهو معلوم المنام أو فعل
الأعرابي ، ولكن الإستدلال هو إستحسان العلماء لهذه القصة وأمثالها مما هو
كثير في كتبهم وهم مرجع الأمة المحمدية في دينهم ، ولا يتفقون أن يقودوا
الأمة إلي الهاوية أو يأمروهم بمخالفة الشريعة
زعم بعضهم بأن (إذ) في الآية طرف لمـا مضي من الزمان وليست للمستقبل وزعموا أيضا أمورا أخري بعضها تنقيص محض للنبي صلي الله عليه وسلم
زعم بعضهم بأن (إذ) في الآية طرف لما مضي من الزمان وليست طرفا للمستقبل لأن الآية تتحدث عن أمر وقع في حياة الرسول صلي الله عليه وسلم وإستغفاره
بعد وفاته متعذر ، لأنه إنقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع
به أو ولد صالح يدعو له ، فلا يمكن للإنسان بعد موته أن يستغفر لأحد بل
ولا يستغفر حتي لنفسه لأن عمله إنقطع ، هذا الكلام خطير جدا وليس مسلما
فتكون إجابته في عدة أوجه:
الوجه الأول: أن إذ ليست طرفا لما مضي فقط بل وللمستقبل ولها معان أخري ذكرها إبن هشام في مغني اللبيب (1/80-83) .
وقال الأزهري: في تـهذيب اللغة (15/47) العرب تضع "إذ" للمستقبل و"إذا" للماضي ، قال الله عز وجل (ولو تري إذ فزعوا) سورة سبأ آية 51 ، إهـ .
والقرآن خير شاهد أيضا علي أن "إذ" تستعمل للمتسقبل ، ومن أمثلة ذلك:
1- قال تعالي: (ولو تري إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربـهم) سورة السجدة 12 .
2- قال تعالي: (ولو تري إذ وقفوا علي ربـهم قال أليس هذا بالحق) سورة الأنعام 30 .
3- قال تعالي: (ولو تري إذ وقفوا علي النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب) سورة الأنعام 27 .
4- قال تعالي: (ولو تري إذ الظالمون في غمرات الموت والملآئكة باسطوا أيديهم) سورة الأنعام 93 .
5- قال تعالي: (ولو تري إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب) سورة سبأ 51 .
6- قال تعالي: (ولو يري الذين ظلموا إذ يرون العذاب) ، سورة البقرة 165 .
كل من هذه الآيات تحكي لما سيقع في المستقبل فإذ فيها طرف لما سيستقبل من الزمان وليس للماضي كما ينازعه المنكرون .
الوجه الثاني: إن المنازعة في إنقطاع عمل النبي صلي الله عليه وسلم إقدام وجراءة علي الله ورسوله من غير نظر بالعواقب ولما يترتب من هذا الكلام الخطير ، بل هو كفر والعياذ بالله ، لأنه تنقيص بالنبي صلي الله عليه وسلم ، كيف ينقطع عمله وهذه رسالته خالدة إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها ، أم الإسلام كلّه في نظر هولآء ليس علما ينتفع به .
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال:
إذا مات إبن آدم إنقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو
ولد صالح يدعو له – رواه مسلم وأصحاب السنن ، أنظر (التاج الجامع للأصول
1/75) .
ورسالة النبي صلي الله عليه وسلم باقية وهي أصل العلوم وأعظمها ولذا لا ينقطع عمل النبي صلي الله عليه وسلم بانتقاله إلي الرفيق الأعلي بل هو باق إلي زوال الدنيا .
الوجه الثالث: أن إستغفاره صلي الله عليه وسلم لأمته ليست متعذرة ، بل ورد أنه صلي الله عليه وسلم
قال في الحديث الصحيح (حياتي خير لكم تُحْدِثُون ويُحْدَثُ لكم ووفاتي خير
لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه وما رأيت من شر
إستغفرت لكم) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/24) رواه البزار ، ورجاله رجال الصحيح ، وقال الحافظ العراقي في طرح التثريب (3/297) إسناده جيد .
بل
ولجميع الأنبياء في قبورهم حياة وتصرف لأن الأنبياء أحياء في فبورهم ، كما
في الحديث الصحيح (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون) أخرجه البيهقي في حياة
الأنبياء (ص15) ، وأبو يعلي
في مسنده (6/147) ، وأبو نعيم في أخبار الأصبهان (2/44) ، وابن عدي في
الكامل (2/739) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/211) ورجال أبي يعلي
ثقات ، إهـ والحديث له طرق أخري ، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال:
مررت علي موسي ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره -
رواه مسلم ، وأحمد (3/120) ، والبغوي في شرح السنة (13/351) ، وانظر
(التاج الجامع للأصول 3/297)
بل ثبت في الصحيح أيضا أن النبي صلي الله عليه وسلم صلّي
إماما لجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في ليلة الإسراء وهذا متواتر ،
وكانوا جميعا قد ماتوا ، فمن كان هذا حاله فكيف يتعذر عليه الإستغفار؟ .
الوجه الرابع: أن إستغفاره صلي الله عليه وسلم حاصل لجميع المؤمنين سواء من أدرك حياته أو من لم يدرك ، إن وجد منه الأمور الثلاثة المذكورة في الآية وهي: المجيئ إليه صلي الله عليه وسلم ، وطلب الإستغفار من الله ، وإستغفار الرسول صلي الله عليه وسلم للمؤمنين ، قال الله تعالي: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) سورة محمد آية 19.
الوجه الخامس:
لا يقال إن هذه الآية وردت في قوم معينين ، لأن القاعدة الأصولية المشهورة
تقول: "العبرة بعموم اللفط لا بخصوص السبب" ، ولذلك فهم المفسرون وغيرهم
من الآية العموم بل واستحبوا لمن جاء إلي القبر الشريف أن يقرأ هذه الآية
(ولو أنـهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك) – الآية ، وهذا مقرر في جميع كتب
المناسك فارجع إليها إن شئت .
الدليل الثاني: من السنة النبوية صلي الله عليه وسلم
1-
فقد قدمنا الأحاديث العامة الواردة في زيارة القبور وهي مطلقة وليست مقيدة
بوقت ولابمكان قريبا كان أوبعيدا لعموم الأدلة ومن إدعي القيد أو التحصيص
بقرب دون بعد يطالب منه المقيِّد أوالمخصِص بذلك لأنه لا قيد بلا مقيِّد
ولا تخصيص بلا مخصِص ، ومما يؤيد هذا العموم مفهوم الصحابة والتابعين
والسّلف الصالح وسائر العلماء رضي الله عنهم أجمعين ، وسيأتي إن شاء الله
بيان ذلك قريبا عند أقوال العلماء في حديث شدّ الرّحال .
2-
وعن عبيد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلي الله عليه وسلم قال:
من زار قبري وجبت له شفاعتي – رواه الدارقطني في سننه والبيهقي شعب
الإيمان وابن عدي في الكامل وغيرهم .
3-
عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: من زارني في
مماتي كان كمن زارني في حياتي – رواه ابن عساكر والعقيلي وأخرجه السبكي في
شفاء السقام .
4- عن حاطب عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: من
زارني بعد موتي فكأنما زراني في حياتي – رواه الدارقطني في سننه والبيهقي
في شعب الإيمان والبخاري في تاريخه ، وأخرجه ابن عبد البر في الإستذكار .
5- عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: من زار قبري حلّت له شفاعتي في يوم القيامة رواه البزرا في مسنده وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد .
أما دعوى ضعف هذه الأحاديث: فهي
دعوي تحتاج إلي بينة ، بل تكذبـها حقائق العلمية إذلم يقل بـها أحد من أهل
العلم ، لأن من هذه الأحاديث ما هو صحيح وما هو حسن وما ضعيف يعمل به ، بل
قال أهل الحديث والأثر المتخصصون في هذا الفن ، إذا ورد جمع من الأحاديث
كلها ضعيفة في موضوع واحد وكان سبب الضعف ناشئاً من ضعف حفظ الرواة فهذه
الأحاديث يقوي بعضها بعضا فيرتقي كل منهم إلي درجة الحسن .
قال
الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي: أحاديث الزيارة طرقها كلها لينة إلا أن
بعضها يقوي بعضا فترتقي إلي درجة الحسن ، أنظر (فيض القدير 6/140) .
وقال الإمام الحافظ تقي الدين السبكي:
والضعيف قسمان: قسم يكون ضعف راويه ناشئا من كونه متهما بالكذب ونحوه
فإجتماع الأحاديث الضعيفة من هذا الجنس لا يزيدها قوة ، وقسم يكون ضعف
راويه ناشئا من ضعف الحفظ مع كونه من أهل الصدق والديانة ، فإذا رأينا ما
رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حققه ولم يختل فيه ضبطه له ،
هكذا قاله إبن الصلاح رحمه الله وغيره ، فاجتماع الأحاديث الضعيفة من هذا
النوع يزيدها قوة وقد يترقي بذلك إلي درجة الحسن أو الصحيح ، ولهذا لما
تكلم النووي رحمه الله في أن ميقات ذات عرق هل هو منصوص عليه أو مجتهد فيه
، وصحح أنه منصوص عليه وذكر عن جمهور أصحابنا تصحيحه للأحاديث الواردة فيه
وإن كانت أسانيد مفرداتـها ضعيفة فمجموعها يقويها بعضها بعضا ويصير الحديث
حسنا ويحتج به ، هكذا ذكره في شرح المهذب في كتاب الحج . إهـ أنظر (شفاء السقام في زيارة خير الأنام ، الباب الأول ص 12) .
وقال الإمام الحجة تقي الدين أبي بكر الحصني الحسيني المتوفي 829هـ : قال
أئمة الحديث ، والحديث أو الأحاديث وإن لانت أسانيد مفرداتـها فمجموعها
يقوي بعضها بعضا ويعتبر الحديث حديثا حسنا ويحتج به وممن ذكر ذلك أبو
زكريا النووي ذكره في شرح المهذب في كتاب الحج وهي فائذة جليلة ينبغي
معرفتها إهـ أنظر (دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلي السيد الجليل الإمام أحمد – ص160) .
وهناك أيضا قاعدتان في مصطلح الحديث - إحداهما: إن الحديث وإن كان ضعيفا يعمل في فضائل الأعمال ، والقاعدة الثانية:
إن الحديث الضعيف يتقوي بعمل المسلمين سلفا وخلفا ، لأن الأمة لا تجتمع
علي ضلالة فإجماعها معصوم من الضلال ، وهذه القواعد كلها مشهورة بين علماء
الحديث وأهل الأثر ، ومقررة في أكثركتب الحديث والمصطلح .
الدّليل الثالث: أفعال الصّحابة وأقوالهم
1- عن بلال بن رباح الحبشي رضي الله عنه مؤذن رسول الله صلي الله عليه وسلم وكان مقيما بالشام ببيت المقدس بعد وفاة رسول الله صلي الله عليه وسلم فرأي النبي صلي الله عليه وسلم مناما
وهو يقول ما في هذه الجفوة يا بلال أما آن لك أن تزورني؟ فبات حزينا خائفا
فركب راحلته وقصد المدينة فحين وصل القبر الشريف صار يبكي عنده ويمرغ وجهه
عليه فأقبل الحسن والحسين فجعل بضمهما ويقبلهما فقالا نشتهي آذانك الذي
كنت تؤذن به لرسول الله صلي الله عليه وسلم في
المسجد فعلي سطح المسجد ووقف موقفه الذي كان يقف فيه فلما أن قال "الله
أكبرالله أكبر" إرتجت المدينة فلما أن قال "أشهد أن لآاله الا الله" زادت
رجتها فلما أن قال "أشهد أن محمد رسول الله" خرجت العواتق من خدورهن وقلن
أبعث فينا رسول الله صلي الله عليه وسلم فما رأينا أكثر باكيا ولا باكية بالمديتة بعد رسول الله صلي الله عليه وسلم من
ذلك اليوم – (رواه ابن عساكر الدمشقي باسنادين جيدين - ونقله الحافظ تقي
الدين علي بن عبد الكافي السبكي المشهور بالسبكي الكبير والد تاج الدّين
السبكي في كتابه- شفاء السّقام في زيارة خير الأنام في الباب الثالث
ص52-53) ونقله أيضا الإمام الجحة تقي الدين أبي بكر الحصني الحسيني في
كتابه (دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلي السيد الجليل الإمام أحمد -
ص153) ونقله أيضا العارف بالله محب الرّسول صلي الله عليه وسلم الشيخ
يوسف بن إسماعيل النبهاني في كتابه (شواهد الحق في الإستغاثة بسيد الخلق –
ص 108) ونقله أيضا الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن
حجر الهيتمي في كتابه (الجوهرالمنظم في زيارة قبرالنبي المعظّم- ص 27) .
1- وممن سافر إلي زيارة قبره صلي الله عليه وسلم عمر ابن الخطاب رضي الله عنه - (أنظر شفاء السقام في زيارة خير الأنام – ص56 في الباب الثالث) .
2- ومنهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كما في المؤطأ للإمام مالك وري ذلك أيضا عبد الرزاق في مصنفه في "باب السّلام علي قبر النبي صلي الله عليه وسلم" (أنظرشفاء السقام في زيارة خيرالأنام – ص73 في الباب الرابع) .
3- ومنهم أنس بن مالك رضي الله عنه – رواه قاضي عياض في الشفاء في تعريف حقوق المصطفي – (أنظر أيضا ص 73 من شفاء السقام في الباب الرابع) .
4-
وممن شدّ الرحال إلي زيارة القبور عائشة رضي الله عنها- فقد خرجت من
المدينة إلي قبرأخيها عبد الرحمن بن أبي بكر في مكة فلما سئل عن ذلك قالت:
(نـهي رسول الله عن زيارة القبور ثم أمر بـها) – مشيرة إلي عمومية الأدلة
وأنه لا فرق بين رجل وامرأة ولا بين سفر وحضر (رواه أحمد
والترمذي 4/161-162 ، وابن ماجه ورواه ابن سعد في الطبقات - وأنظرغاية
المأمول شرح التاج الجامع للأصول ج1ص382 – وانظر شفاء السقام في زيارة خير
الأنام ص 89 وصفحة 90 في الباب الخامس) .
الدّليل الرّابع: سفربعض السّلف إلي قبور بعضهم
1-
ففي تاريخ بغداد: للخطيب البغدادي أن الإمام الشافعي سافر من مصر قاصدا
زيارة قبر الإمام أبي حنيفة في بغداد فترك القنوت أيام زيارته تأدبا
وتواضعا ًمع الإمام أنظر (تاريخ بغداد 1/123) .
2-
ونقل الحافظ ابن الحجر العسقلاني في تـهذيب التهذيب: عن الإمام الحاكم في
تاريخ نيسابور أن الإمام ابن خزيمة إمام أهل الحديث في عصره وجماعة من
العلماء زاروا إلي قبر الإمام علي بن موسي الرّضا وتضرعوا عنده ، أنظر
التهذيب التهذيب (7/339) في ترجمة علي بن موسى الرضى .
الدليل الخامس: القـواعــد الأصولية وأدلتها
ومن هذه القواعد:
1- للوسائل حكم المقاصد .
2- إذا ثبت الشيء ثبتت لوازمه .
3- إن الأمر بالشيء يقتضي أمر ما لايتم إلابه .
4- ما لا يتم الشيء إلابه فهو منه .
5- ما يتوسل إلي المطلوب فهو مطلوب .
6- إن وسيلة القربة قربة .
ودلالة
هذه القواعد كلها واحدة وهي تدل علي أن الشرع إذا ورد في قضية كان حكم كل
مايؤدي إلي وصولها كحكم هذه القضية الأصلية ، وأنظر هذه القواعد وشرحها
وأدلتها من شفاء السقام (ص 103-104) وجوهر المنظم (ص11) ورفع المنارة
(ص88) حاشية الإيضاح (ص214) وغيرهم ، والدليل علي ذلك ما ورد في ثواب كثرة
الخطي للأعمال الصالحة وهي كما يلي:
كثرة الخطي إلي البر والطاعة تزيد الأجر والثواب
وهنا
سؤال مهم وهي: إذا كان أصل الزيارة مشروعا بل هو مأجورا ومحل إجماع ولم
يختلف فيه إثنان ، فأي مانع طرأ بعد ذلك التشريع ومن أين يأتي هذا التحريم
؟!! ، فهل لكثرة الخطوة إلي هذا العمل الصالح تكون سبب الحرمة ؟ ، فهذا
والله زعم باطل وجهل وحماقة وبعد عن الدلالة الشرعية والعقل السليم ، لأن
النصوص الواردة في ثواب جميع الأعمال الصالحة تفيد بأن الجهد والمشقة
وكثرة المشي في الأعمال الصالحة يضاعف أجرها وثوابـها ، عكس ما يزعمه
المنكرون ، فكلما زادت مشقة العبادة زاد أجرها وثوابـها ، إذ الأجر بقدر
التعب .
1-
قال الله تعالي: (ما كان لأهل المدين ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن
رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنـهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب
ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو
نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون) سورة التوبة 120-121 .
ومحل الإستدلال من هذه الآيات:
إنه سبحانه وتعالي كتب للمومنين المجاهدين في سبيله بكل ما لاقوه من
المشقة في سبيل وصولهم إلي ساحة المعركة والقتال ، أي ليس أجرهم قاصرا علي
ما نالهم من الحرب والقتال مع الكفار في ميدان المعركة فقط ، بل لهم أجر
بكل ما وصلوا إلي ذلك من الوسائل من مشي وتعب ونصب وكر وفر وظمإ ومخمصة
وغير ذلك من الجهد والمشقة .
2- قال تعالي: (إنا نحن نحيي الموتي ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) سورة ياسين 12.
وفي هذه الآية أيضا دلالة واضحة علي أن الآثار إلي الخيرات تكتب مأجورة من الله سبحانه وتعالي .
3- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشي – رواه البخاري ومسلم .
4- عن جابر رضي الله عنه كانت ديارنا نائية عن المسجد فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقترب من المسجد فنهانا رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال إن لكم بكل خطوة درجة ، وفي رواية: يا بني سلمة ديارَكم تكتب آثارُكم فقالوا ما كان يسرنا أنا كنا تحولنا – رواه الشيخان .
5- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال:
من تطهر في بيته ثم مشي إلي بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله
كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة والأخري ترفع درجة – رواه مسلم والنسائي
والترمذي .
6- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: من غدا إلي المسجد أو راح أعد الله له نزلا كلما غدا أو راح – رواه الشيخان .
7- عن بريدة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: بشر الماشين في الظلم إلي المساجد بالنور التام في يوم القيامة – رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه .
8- عن أوس ابن أوس الثقفي رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال:
من غسّل يوم الجمعة واغتسل ثم بكّر وابتكر ومشي ولم يركب ودنا من الإمام
فاستمع ولم يلغُ ، كان بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها – رواه أصحاب
السنن .
9- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: من عاد مريضا أو زار أخا له في الله ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منـزلا – رواه الترمذي وابن ماجه .
10-
أخرج أبوداود في سننه: من خرج من بيته متطهرا إلي صلاة مكتوبة فأجره كأجر
الحاج المحرم ، ومن خرج إلي تسبيح الضحي فأجره كأجر المعتمر .
إستدل
جميع هذه الأدلة وأخري لهذ الموضوع نفسه الإمام المجتهد تقي الدين علي بن
عبد الكافي السبكي في كتابه (شفاء السقام في زيار خير الأنام ، ص 104-
105) .
فهذه الأحاديث كلها تشير إلي أن كثرة المشي إلي الطاعات والخيرات مأجور ومكتوب لصاحبه .
وقال الإمام النووي في كتابه رياض الصالحين: (باب
زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتـهم والدعاء منهم
وزيارة المواضع الفاضلة) إهـ وأورد الإمام النووي هناك أدلة من الكتاب
والسنة تشير إلي ذلك ومنها: ما رواه أبوهريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم أن
رجلا زرا أخاً له في قرية أخري فأرصد الله تعالي علي مدرجته ملكا فلما أتي
عليه قال أين تريد ؟ قال أريد أخاً لي في هذه القرية قال هل لك عليه من
نعمة تربـها عليه ؟ قال لا غير أني أحببته في الله تعالي ، قال فإني رسول
الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه . رواه مسلم - (أنظر دليل
الفالحين شرح رياض الصالحين 2/226-227)
ثبوت السفر إلي زيارة القبور والمواضع الفاضلة عن النبي صلي الله عليه وسلم قولا وفعلا
1-
عن أبي هريرة رصي الله عنه قال زار النبي قبر أمه فبكي وأبكي من حوله فقال
إستأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنـها تذكركم الآخرة
– (رواه مسلم وأبو داود والنسائي) - وكان قبر أمه صلي الله عليه وسلم بالأبواء
أو بشعب الحجون علي خلاف فيهما ، فالأبواء مكان علي ثلاثين ميلا من
المدينة ، والميل الواحد يساوي كيلومترين تقريبا ، ويكون مجموع تلك
الأميال ستون أو أكثر ، وأما شعب الحجون فهو جبل بقرب مكة ، وبين مكة
والمدينة خسمائة كيلو مترا ، وكلا المكانين لايمكن الوصول إليهما إلا
بالتعب وبشد الرّحل ، وأما شبهتهم بأنه صلي الله عليه وسلم لم يكن قاصدا الزيارة بل كان في بعض أسفاره للجهاد فستأتي إجابة هذا الكلام الفارغ عند إجابة شبهاتـهم إن شاء الله .
2- عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم
ليهبطن عيسي بن مريم حكما عدلا وإماما مقسطا وليسلكن فجا حاجا أو معتمرا
أو بنيتهما وليأتين قبري حتي يسلم علي ولأردن عليه السلام – (رواه الحاكم
في المستدرك 2/595 ووافقه الذهبي ، ورواه أبو يعلي في مسنده رقم الحديث
6584) .
3-
روي أبو الفتح الأزدي وأبو الحسن العسكري وأبو موسي المديني من طريق بقية
عن عمرو بن عتبة عن أبيه عن زيادة ابن سمعة قال سمعت زكرة بن عبد الله رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول:
"لو أعرف موضع قبر يحيي بن زكريا لزرته" – (رواه الحافظ إبن عبد البر ،
وأنظر إعلام الراكع الساجد بمعني إتخاذ القبور مساجد ص 73) ، وقبر يحيي عليه السلام بالشام كما هو معلوم ، ومعني هذا الكلام أن النبي صلي الله عليه وسلم أراد
السفر إلي زيارة قبر نبي الله يحيي عليه السلام بالشام ولم يمنع ذلك إلا
لكونه لم يعرف موضع القبر بالتحديد ، و يقوي هذا الحديث الأحاديث والشواهد
الكثيرة الأخري .
4- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي صلي الله عليه وسلم يزور قباء راكبا وماشيا فيصلي فيه ركعتين ، متفق عليه – وفي رواية البخاري والنسائي: كان النبي صلي الله عليه وسلم يأتي
مسجد قباء كل سبت راكبا وماشيا وكان إبن عمر يفعله . (أنظر دليل الفالحين
ج2/246 - (في باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم وطلب زيارتـهم
والدعاء منهم وزيارة المواضع الفاضلة) وكانت قباء إذ ذاك قرية علي فرسخ من المدينة .
الإجماع في سفر زيارة قبره صلي الله عليه وسلم
أما
ما ورد في الإجماع: فقد نقل أو أشار كثير من العلماء الإجماع في شدّ الرحل
إلي زيارته صلي الله عليه وسلم ومنهم القاضي عياض والإمام الغزالي
والرافعي والنووي وابن قدامة وابن عبد البر وابن كثير والقرطبي والعراقي
والعسقلاني والهيتمي والسيوطي والفاكهاني والشوكاني وملا علي القاري
وغيرهم .
نقل القاضي عياض: إن زيار قبره سنة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها ، إهـ (الشفاء بتعريف حقوق المصطفي صلي الله عليه وسلم 2/74) .
وقال أيضا: في موضع آخر من الشفاء الزيارة مباحة بين الناس وواجب شد المطي إلي قبره . إهـ (الشفاء بتعريف حقوق المصطفي صلي الله عليه وسلم 2/75) .
وقال الإمام النووي: واعلم أن زيارة قبر رسول الله صلي الله عليه وسلم من أهم القربات وأنجح المساعي فإذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة أستحب لهم إسحبابا متأكدا أن يتوجهوا إلي المدينه لزيارته صلي الله عليه وسلم وينوي الزائر من الزيارة التقرب وشد الرحل إليه والصلاة فيه . إهـ (المجموع 8/204) .
وقال الإمام النووي أيضا: إذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة فليتوجهوا إلي مدينة رسول الله صلي الله عليه وسلم لزياة تربته فإنـها من أهم القربات وأنحج المساعي . إهـ (الإيضاح في مناسك الحج ص 214) .
وقال الإمام النووي أيضا: أنه ينبغي لكل من حج أن يتوجه إلي زيارة قبره صلي الله عليه وسلم سواء كان صوب طريقه أم لم يكن فإنـها من أعظم القربات وأنجح المساعي وأفضل الطلبات .
وقال الإمام الشوكاني:
واحتج أيضا من قال بالمشروعية بأنه لم يزل دأب المسلمين القاصدين للحج في
جميع الأزمان علي تباين الديار وإختلاف المذاهب الوصول إلي المدينة
المشرفة لقصد زيارته ويعدون ذلك من أفضل الأعمال فكان إجماعاً . إهـ (نيل
الأوطار 5/110) .
وقال الحافظ إبن حجر العسقلاني: عند الكلام علي حديث لاتشد الرحال : والحاصل أنـهم ألزموا إبن تيمية بتحريم شد الرحل إلي زيارة قبر سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وفي
شرح ذلك من الطرفين طول ، وهي من أبشع المسائل المنقولة عن إبن تيمية ،
فإنـها من أفضل الأعمال وأجل القربات الموصلة إلي ذي الجلال ، وأن
مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع والله الهادي إلي الصواب . إهـ (فتح الباري
3/66) .
وقال عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن جماعة الكتاني الشافعي:
في كتابه السالك إلي مذاهب الأربعة في المناسك: إذا انصرف الحجاج
والمعتمرون إلي عن مكة شرفها الله وعظمها أستحب لهم إستحبابا مؤكدا أن
يتوجهوا إلي مدينة سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم بالفوز بزيارته فإنـها من أهم القرَب وأنجح المساعي .إهـ (السالك إلي مذاهب الأربعة في المناسك 4/1503) .
رد الشبهات المتعلقة بإهداء ثواب البر للأموات
الشبهة الأولي: إن الميت لا ينتفع بعمل غيره من الأحياء مستدلين قوله تعالي: (وأن ليس للأنسان إلا ما سعي) وحديث (إذا مات ابن آدم انقطع عمله).
الإجابة عنها: ليس لهم
أي استدلال في الآية ولافي الحديث ، أما الآية فأجاب العلماء عنها بأجوبة
كثيرة منها: أن الله تعالي لم يقل أن الإنسان لا ينتفع الا بسعي نفسه
وإنما قال: (ليس للإنسان إلا ما سعي) ، وأما الحديث فتكلم أن عمل الميت
إنقطع لا عمل غيره مما أُهدي اليه ، فلا يستفاذ منه إنقطاع عمل الأحياء
وتصرفهم ، ولا يخفي أن للشخص إهداء ما في ملكه إلي من يشاء من غيره سواء
كان المُهدَي إليه من الأحياء أو من الأموات، فكذلك الأحياء يصرِفون بعض
أعمالهم هديةً إلي غيرهم من الأموات إذ هو ملكهم وسعيهم .
وقال الشيخ منصور علي ناصف: في كتابه: (التّاج الجامع للأصول ج1/384) قال
أبو العباس أحمد إبن تَيمية: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد
خرق الإجماع ، وذلك باطل من وجوه كثيرة ، أحدها: أن الإنسان ينتفع بدعاء
غيره وهو إنتفاع بعمل الغير ، وثانيها: أن النبي صلي الله عليه وسلم يشفع
لأهل الموفق ولأهل الجنة في دخولها ولأهل الكبائر في خروجهم من النار
ودخولهم الجنة ، وثالثها: الملائكة يدعون ويستغفرون لأهل الأرض ، ورابعها:
أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم .
وخامسها:
الغلامان اليتيمان بعمل أبيهما وكان أبوهما صالحا ، وسادسها: إنتفاع الميت
بالصدقة والعتق بنص السنة والأجماع ، وسابعها: الحج المفروض والمنذور
يسقطان بعمل وليه ، وثامنها: المدين إذا مات يسقط دينه بأداء الغير عنه ،
وتاسعها: صلاة النبي صلي الله عليه وسلم علي النجاشي وغيره بعد موتـهم -
إهـ ، وقال الشيخ منصور: وهذه كلها والحمد لله في كتابنا كل في موضعه. إهـ
ما في التاج .
وقال إبن تيمية أيضا: (في فتاويه ج24/366-367)
أن الله تعالي لم يقل أن الإنسان لا ينتفع إلا بسعي نفسه وإنما قال: (ليس
للإنسان إلا ما سعي) فهو لا يملك إلا مال نفسه ونفع نفسه ، فمال غيره ونفع
غيره هوكذلك للغير ، لكن إذا تبرع له الغير بذلك جاز، وهكذا إذا تبرع له
الغير نفعه الله بذلك كما ينفعه بدعائه له والصدقة عنه وهو ينتفع بكل ما
يصل إليه من كل مسلم سواء كان من أقاربه أو غيرهم كما ينتفع بصلاة المصلين
عليه ودعائهم له عند قبره . إهـ ، ما في فتاوي إبن تيمية .
ووافق
في كل ذلك تلميذه إبن قيم في كتابه الرّوح ، ومما قال ابن القيم بعد عدة
أجوبة في الآية: وقالت طائفة أخري: القرآن لم ينف إنتفاع الرجل بسعي غيره
وإنما نفي ملكه لغير سعيه وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفي ، فأخبر تعالي
أنه لا يملك إلا سعيه ، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه فإن شاء يبذله لغيره وإن شاء يبقيه لنفسه ، وهو سبحانه لم يقل لا ينتفع إلا بما سعي ، وكان شيخنا يختار هذه الطريقة ويرجحها . إهـ أنظر (الرّوح لإبن القيم ص 128-129) .
الشبهة الثانية: قولهم الصدقة الواردة هي الجارية فقط .
الإجابة عنها:لم يقل بـها أ حد من أهل العلم وهي دعوي تحتاج إلي بينة ،
ويردها أيضاً قوله صلي الله عليه وسلم عندما سأله الصحابي أينفعها شيء إن
أتصدقت به عنها؟ قال نعم ، وشيء نكرة يقع علي كل ما يتمول به ولو كان
قليلا سواء كان طعاما أو ثيابا أو صدقة جارية أو غيرها ، ومن قال بالفرق
يطالب منه المقيد أو المخصص بذلك لأنه لاتقييد بلا مقيد ولا تخصيص بلا
مخصص ، ومما يردّ بذلك أيضا قوله صلي الله عليه وسلم (كل معروف صدقة) وهو
حديث صحيح رواه مسلم وغيره .
الشبهة الرابعة: قولهم لم يرد إلا صدقة الولد عن والده .
الإجابة عنها: لم
ينقل هذا عن أحد من علماء الإسلام بل جميع أهل العلم علي خلاف ذلك ، وهذا
مخالفة للأجماع الذي نقله العلماء كالنووي والسبكي وابن قدامة والقرطبي
والسيوطي وحتي ابن تيمية وابن القيم وغيرهم ، كلهم نقلو الإجماع علي أن
الصدقة تنفع الميت وتصلها إجماعا ولم يذكر أحد منهم هذا التفصيل ، ولذلك
يطالب أولاً من نقل ذلك من العلماء ، وثانياً أن النصوص الواردة في ذلك
تفنـّد هذه الشبهة الواهية ومن هذه النصوص: مارواه ابن عباس رضي الله
عنهما قال سمع النبي صلي الله عليه وسلم رجلا يقول لبيك عن شبرمة قال من
شبرمة ؟ ، قال أخ لي أو قريب لي قال حججت عن نفسك؟ ، قال لا قال حُجّ عن
نفسك ثم حُجّ عن شبرمة . رواه أبو داود وابن حبان والبيهقي وصححاه ، أنظر (التاج الجامع للأصول ج2/110) .
ووجه
الإستذلال ما عُلم من أن الصدقة تقع علي كل نوع من المعروف لقوله صلي الله
عليه وسلم (كل معروف صدقة) والحج أيضاً من المعروف فيكون داخلا في الصدقة
، وما فعله أخ شبرمة من أخيه صادق علي صدقة الأخ عن أخيه ، فإلي أين هذه
الشبهة القائلة لم يرد إلا صدقة الولد عن والده ؟ .
وعن
جابر رضي الله عنه: قال شهدت مع النبي صلي الله عليه وسلم الأضحي في
المصلي فلما قضي خطبته نزل عن منبره وأتي بكبش فذبحه بيده وقال باسم الله
والله أكبر هذا عني وعن لم يضح من أمتي – رواه أبو داود والترمذي ، أنظر (التاج الجامع للأصول 3/110) .
وفي
الحديث أيضا دلالة واضحة أن من أحال ثواب البر يصل إلي من نوي وأهدي إليه
حيا أوميتا وسواء كان المُهْدِيْ ولدا أو والدا أو أخا أو قريبا أو صاحبا .
وعن
صالح بن درهم رضي الله عنه قال: إنطلقنا حاجين فقابلنا رجل فقال إلي جنبكم
قرية يقال لها الأُبُلَةُ قلنا نعم قال من يضمن لي منكم أن يصلي لي في
مسجد العشار ركعتين ويقول هذه لأبي هريرة فإني سمعت خليلي أبا القاسم صلي
الله عليه وسلم يقول إن الله يبعث من مسجد العشار يوم القيامة شهداء لا
يقوم مع شهداء بدر غيرهم - رواه أبو داود بسند صالح ، أنظر (التاج الجامع
للأصول ج5/327).
قال الشيخ منصور علي ناصف:
في شرح هذا الحديث: المراد أن يصلي ركعتين أوأكثر نفلا لله تعالي وبعد
الصلاة يقول اللهم اجعل ثواب ذلك لأبي هريرة ولا غرابة في هذا فللإنسان أن
يعمل عملا صالحا من صلاة وصدقة وقرآن ونحوها من صالحات النوافل ويجعل
ثوابه لمن يشاء ، إهـ ، أنظر المصدر السابق .
الشبهة الخامسة: الذبيحة عن الميت حرام ، وهو ما أهل به لغير لله ، لقوله تعالي: (وما أهل لغير الله به) - (الآية سورة المائدة 3) .
الإجابة عنها:لم
يقل بـهذه المقولة الشاذة إلا أهل البدع المعاصرة ، وهي إن دلت علي شي ء
إنما تدل علي تكفيرهم للمسلمين ولا عجب فقد اشتهروا بذلك كسلفهم الخوارج
الذين وصفهم الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بأنـهم: "ذهبوا بآيات زنزلت
في الكفار فحملوها علي المسلمين" فهذ الآية نزلت في ذبائح الكفار
والمشركين الذين كانوا يذبحون ذبائحهم بإسم اللات والعزّي ، لا في ذبائح
المسلمين ، وحتي ذبائح أهل الكتاب الذين يذبحون باسم الله حلال للمسلمين
فضلا عن ذبائح المسلمين الذين يذحون باسم الله ويريدون بـها وجه الله
والتصدق عن أموات المسلمين ، قال تعالي: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام
الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم وطعامكم حلّ لهم)- (الآية سورة المائدة 5) ، والطعام في الآية ذبائحهم باتفاق جميع المفسرين .
قال
الحافظ المفسر عماد الدين إسماعيل بن كثير الدمشقي: عند تفسيره لهذه الآية
، ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتابين من اليهود والنصاري فقال: (وطعام الذين
أوتوا الكتاب حلّ لكم) قال ابن عباس وأبو أمامة ومجاهد وسعيد بن جبير
وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وإبراهيم النخعي والسدي ومقاتل بن حيان ، يعني
ذبائحهم ، وهذا أمر مجمع بين العلماء أن ذبائحهم حلال
للمسلمين لأنـهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله ولا يذكرون ذبائحم إلا إسم
الله ، وان اعتقدوا فيه تعالي ما هو منـزه عنه تعالي وتقدس . إهـ (تفسير بن كثير 2/19) .
وعن
عائشة رضي الله عنها: أنـهم قالوا يا رسول الله إن قوما يأتوننا حديث
عهدهم بكفر بلحمان لا ندري أذكر إسم الله عليها أم لا ، فقال: سموا الله
أنتم وكلوا . رواه البخاري ،(تفسير بن كثير 2/18) (التاج الجامع للأصول 3/105) .
وقال
الشيخ منصور صاحب التاج: ففيه أن التسمية غير واجبة وعليه الشافعي ومالك
وأحمد ، وقال الحنفية وسفيان وإسحاق: إن تركها ساهيا حلت وإلا لم يحلّ ،
وقال جماعة: إن تركها بحال من الأحوال لم تحل لقوله تعالي: (فكلو مما ذكر
اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين) – (الآية سورة الأنعام 118) ، (غاية المأمول شرح التاج الجامع للأصول 3/105) .
وعن بن عباس رضي الله عنهما: في قوله تعالي- (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ) – (الآية سورة الأنعام 118) ، (ولا تأكلوا ما لم يذكر الله عليه) – (الآية سورة الأنعام 121) ، قال: نسختا واستثني منها ذبائح أهل الكتاب بقوله: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم) – (الآية سورة المائدة 5) ، رواه أبو داود ، أنظر (التاج الجامع للأصول 3/106) .
وقال
الشيخ منصور صاحب التاج: في شرح هذا الحديث – يؤيد ما قاله ابن عباس أن
آية (وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم) مدنية والآيتان قبلها مكيتان
فنسختا بالمدنية ، ومعني هذه الآية: أن ذبيحة اليهود والنصاري حلال لكم
ولو غيرو ، وعلي هذا مالك والشافعي بشرط عدم التغيير . إهـ (غاية المأمول شرح التاج الجامع للأصول 3/106) .
ومن
سفاهة أحلامهم تفريقهم بين اللحم وسائر الطعام ، إذ اللّحم من الطعام بل
هو من أفضل وأحب الطعام ، لقوله صلي الله عليه وسلم (سيد طعام أهل الدنيا
وأهل الجنة اللّحم) - رواه ابن ماجه 4/29-(باب اللّحم)، رقم الحديث 3305) ،
ولم يرد فرق بينه وبين غيره من الطعام ، لقوله صلي الله عليه وسلم عندما
سأله الصحابي: "أينفعها شيء إن أتصدقت به عنها ؟ قال نعم" ، وشيء نكرة يقع
علي كل نوع من الصدقة .
ومما يرد هذه الشبهة الباطلة: ما ورد في خصوصية الصدقة في اللّحم ، ومنه ما رواه رواه
أحمد في مسنده عن عبدالله بن عمرو أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن
ينحر مائة بذنة وأن هشام بن العاص نحر حسته خمسين وأن عمرو سأل النبي صلي
الله عليه وسلم عن ذلك فقال "أماأبوك فلوأقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه
نفعه ذلك" (رواه أحمد في مسنده 2/182) وانظر (نيل الأوطار للشوكاني 4/140) (عمدة القارئ بشرح صحيح البخاري 3/119 ، 8/222) .
ولما
سيأتي من حيث عاصم بن كليب في تقديم زوجة الميت اللّحم إلي النبي صلي الله
عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ، وكذا وصية عمران بن الحصين الصحابي
الجليل الذي أوصي النحر والإطعام عنه بعد الرجوع من جنازته ، كل ذلك سيأتي
في (أدلة إطعام الطعام عن الميت عقب الدفن) .
رد الشبهات المتعلقة بزيارة القبور
الشبهة الأولي:
سبب زيارة القبور هو تذكر الآخرة فقط وهذا يحصل في القبور القريبة ولو
كانوا قبور الكفار والمشركين ، ولا حاجة إلي القبور البعيدة ما دام
المقصود يحصل بالقريبة .
الإجابة عنها: هذا
تلبيس علي العوام وهو كذب وافتراء لأن أسباب الزيارة خمسة: كما قسمها
العلماء ، والتذكر بالآخرة قسم واحد منه ، وباقي الأقسام هو الدعاء لهم ،
والتبرك بـهم إن كانوا من الصالحين ، وأداء الحق لهم كقبور الوالدين
ونحوهما ، والتأنيس لهم ، وفي كل من ذلك وردت أحاديث وأثار صحيحة ثابتة
وممن قسم إلي تلك الأقسام من العلماء الإمام النووي والقرطبي والسبكي
وغيرهم ، (أنظر دليل الفالحين شرح رياض الصالحين ج3/18- وانظر شفاء السقام
ص 86-87 في الباب الخامس) .
وأما
زيارة قبور الكفار لا تجوز لأحد من المسلمين زيارتـها ، قال الله تعالي:
(ولا تصل علي أحد منهم مات أبدا ولا تقم علي قبره إنـهم كفروا بالله
ورسوله وماتوا وهم فاسقون) بل أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم مجاوزة قبورهم بسرعة لأن ينال بالمسلم نصيب من عذابـهم .
لما رواه ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال
لأصحابه "يعنى لماّ وصلوا الحجر، ديارثمود لاتدخلوا على هولاء المعذبين
إلا أن تكونوا باكين , فان لم تكونوا باكين فلاتدخلوا عليهم لايصيبكم
ماأصابـهم - متفق عليه ، وفي رواية: قال لمامر رسول الله صلي الله عليه وسلم بالحجر
قال لاتدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابـهم إلا أن
تكونوا باكين ، ثم قنع رأسه وأسرع السّير حتىّ أجاز الوادى ، (أنظردليل
الفالحين شرح رياض الصالحين (3/443 - وفتوحات الربانية 4/226 - باب البكاء
والخوف عند المروربقبور الظالمين ومصارعهم).
الشبهة الثانية: السفر إلي زيارة القبورحرام لقوله صلي الله عليه وسلم (لاتشد الرحال إلا إلي ثلاثة مساجد) .
الإجابة عنها: وهذه الشبهة أقوي حجة عندهم في منع السفر إلي زيارة القبور ، وأجبيب عنها بثلاثة أجوبة:
الأولي:
أن هذا الحديث لا يستفاذ منه قطعا تحريم السفر إلي زيارة القبور، لأن
معناه:(لا تشد الرحال إلي مسجد للصلاة فيه إلا إلي ثلاثة مساجد) لأن
الإستثاء مفرغ كما سيأتي تفصيله ، وإلا فما الذي يخصص به في سفر زيارة
القبور دون غيرها فهلا يعم كل سفر سوي هذه المساجد الثلاثة عبادة كان
أوغيرها ، كسفرالتجارة وطلب العلم وزيارة الوالد الحي ،
والسفر إلي التفكر في آيات الله الكونية كما قال تعالي (قل سيروا في الأرض
فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله علي كل شيء
قدير)- سورة العنكبوت آية 20، ولا يخفي أن هذه الأمور عبادة محضة مأجورة
عن صاحبها إن أداها المسلم بنية صالحة .
والثانية:
أن جميع أهل العلم من المحدثين والمفسرين والفقهاء وأهل السير والمؤرحين
لم ينقل أحد منهم هذا الحديث في باب الزيارة لأنه ليس في بابـها بل نقلوه
في باب فضيلة المساجد والنذر في الصلاة فيها ، ومفهوم حرمة شدّ الرحل إلي
غير هذه المساجد الثلاثة من الحديث كما تري ، يدل علي قصور فهم صاحبه وقلة
علمه وعقله ، إذلم يفهم أهل العلم من الحديث ذلك ، بل الحديث إنما يدل علي
فضيلة هذه المساجد الثلاثة علي غيرها من المساجد كما قدمنا وليس له مدخل
في باب الزيارة أصلا لأنه في غير محله كمن نقل النصوص الواردة في باب
الصلاة إلي باب الزكاة وذلك في غاية السفاهة .
الثالثة:
مفهوم أهل العلم من الصحابة والتابعين والسلف الصالح وسائر أهل العلم من
العلماء وحملة الشرع من هذا الحديث رضوان الله عليهم أجمعين ، الذين بينوا
المقصود منه وفسروه بالقول وبالفعل.
مفهوم الصحابة من الحديث
أ- مفهوم أبي هريرة رضي الله عنه وذلك عندما خرج قاصدا إلي زيارة طور سينا حيث كلم الله موسي عليه السّلام ، قابله أبو بصرة الغفاري رضي الله عنه فقال أبو بصرة لو كنت أعلم بخروجك ما خرجت لأني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم "لاتشد الرّحال إلا إلي ثلاثة مساجد" فلم يرجع أبو هريرة عن رحلته ولم يزل عنها بل أتمها لأنه هو الذي روي هذا الحديث عن النبي صلي الله عليه وسلم ولم
يفهم من الحديث هذه الدلالة البعيدة، بل لو فهم عن الحديث هذه الدلالة لم
يخرج أصلا، وهوأعلم وأكبر من أبي بصرة ، وهوأيضا الرّجل الثاني في رواية
الأحاديث عن النبي صلي الله عليه وسلم ولم يسبق عن رواية الأحاديث بين الصحابة إلا عبد الله بن عمرو بن العاص كما حكي بذلك هو نفسه ، ولذلك سلم له أبو بصرة .
ب – مفهوم عائشة رضي الله عنها: وذلك
عند قدومها إلي المدينة من زيارة قبر أخيها عبد الرحمن بمكة فقيل لها ألم
يُنْهَ الزّيارة عن النساء ، فأجابت بقولها: "نـهى رسول الله صلي الله عليه وسلم عن
زيارة القبور ثم أمر بـها" (رواه أحمد وابن ماجه ورواه ابن سعد في الطبقات
- وأنظرغاية المأمول شرح التاج الجامع للأصول ج1ص382 – وانظر شفاء السقام
في زيارة خير الأنام ص 89 وصفحة 90 في الباب الخامس) .
ويستفاذ
من قولها أولا: إن مشروعية زيارة القبور عامة في الرجال والنساء ، وثانيا:
أن لا فرق بين زيارة قبور القريبة أو السّفر إلي قبور البعيدة .
ج- مفهوم جـماعة من الصحابة: منهم عمر ابن الخطاب ، وابنه عبد الله ابن عمر، وبلال بن رباح المؤذن ، وأنس ابن مالك y ،كلهم سافروا من آفاق بعيدة الي زيارة قبر النبي صلي الله عليه وسلم ، وقد قدمنا تفصيل ذلك ومراجعه قريبا تحت عنوان "الدليل الثالث - أقوال الصحابة وأفعالهم".
مفهوم التابعين والسّلف الصّالح من الحديث
1- مفهوم الإمام الشافعي:
فقد قدمنا قريبا أنه رحمه الله خرخ من مصر قاصداً زيارة الإما الأعظم أبي
حنيفة في بغداد ، وكان هناك أربعين يوما فترك تلك الأيام قنوت الصبح تأدبا
وتواضعا مع شيخه ، (أنظر تاريخ بغداد ج1ص123).
2- مفهوم الإمام ابن خزيمة:
فقد خرج هو وجماعة من العلماء إلي زيارة قبر موسي الكاظم وترضرعوا وتوسلوا
عنده - (نقل ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الإمام الحاكم في تاريخ
نيسابور أنظر تـهذيب التهذيب 7/339) .
مفهوم أهل العلم من الائمة والحفاظ
1- قال الإمام الحافظ النووي:
وفي هذا لحديث فضيلة هذه المساجد الثلاثة وفضيلة شد الرحال إليها لأن
معناه عند جمهور العلماء لا فضيلة في شد الرحال إلي مسجد غيرها وقال الشيخ
أبومحمد الجويني من أصحابنا يحرم شد الرحال إلي غيرها وهو غلط – أنظر (شرح
مسلم للنووي 9/168 في باب فضيلة المساجد) .
2- قال الإمام الحافظ إبن حجرالعسقلانى: عند شرحه لهذا الحديث قوله صلي الله عليه وسلم (الاّ الى ثلاثة مساحد)
المستثنى منه محذوف "فاما أن يقدر عاما فيسير" لاتشد الرحال إلى مكان في
أى أمركان الاّ الثلاثه اوأخص من ذلك لاسبيل إلى الأول لافضائه إلى سد باب
السفر للتجارة وصلة الرحم وطلب العلم وغيرها فيتعين الثانى ، والأول أن
يقدر ماهو أكثر مناسبة وهو لاتشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلا إلى
الثلاثة فيبطل بذلك قول من منع شد الرحال إلى زيارة القبر الشريف وغيره من
قبور الصالحين "أنظر فتح البارئ (ج3/ص66):وقال السبكى الكبير" وقد إلتبس
ذلك على بعضهم فزعم أن شد الرحال إلى الزيارة لمن في غير الثلاثة داخل في
المنع وهو خطأ لأن الاسيثناء انما يكون من جنس المستثنى منه فمعنى الحديث
لاتشد الرحال إلى مسجد من المساجد أو إلى مكان من الامكنة لأجل ذلك المكان
إلا إلى الثلاثة المذكورة وشد الرحلة إلىالزيارة أو طلب علم ليس إلى
المكان بل إلى من في المكان- أنظر فتح البارئ (ج3/66) وانظر الى شفاء
السقام.
3- قال الامام الكرماني: في شرحه على البخارى عند قوله (إلا إلى ثلاثة مساجد) الاستثناء مفرغ "فان قلت فتقدير الكلام لاتشد إلى موضع أو مكان فيلزم أن لا يجوز السفر إلى مكان غير المستثنى - أنظر (شرح الكرماني ج7/ص12) .
4- قال الإمام الشيخ بدرالدين العينى:
في شرح البخارى قال شيخنا زين الدين من أحسن محامل هذا الحديث أن المراد
منه حكم المساجد فقط وأنه لا يشد الرحل إلى مسجد من المساجد غير هذه
الثلاثة فأما قصد غير المساجد من الرحلة في طلب العلم وفي التجارة
والتنـزه وزيارة الصالحين والمشاهد وزيارة الاخوان ونحو ذلك فليس داخلا في
النهى وقد ورد ذلك مصرحا في بعض طرق الحديث في مسند أحمد عن أبى سعيد
الخدرى رضى الله عنه قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لاينبغى للمصلى أن يشد رحاله إلي مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الاقصى ومسجدى هذا – (أنظرعمدة القارى ج7/254) .
وما
ذكره الإمام بدر الدين العيني من أن الحديث خاص في المساجد فقط هو الفاصل
لمنازعة هولاء المغرورين الدين يحاولون تعميم هذا الحديث في كل سفر لأي
بقعة ، وما ذكره من رواية شهر بن حوشب عن أبي سعيد الخدري رافعة لهذا
الإشكال ولا يقال أن إنفراده بهذه الزياه تسقطه لأنه ثقة حسن الحديث كما
أشار إليه عدد من الحفاظ ، كالذهبي في سير أعلام النبلاء (4/378) ، وزيادة
الثقة مقبولة كما هو معلوم .
وما
يدعيه البعض من أن الشارع إذا منع شد الرحل إلي المساجد الثلاثة للعبادة
فإنه من القياس الأولي غيرها من الأماكن ، فهذا الكلام عار عن مقاييس
الإستدلال وكاشف لجهل صاحبه ، لأنه لا قياس مع النص وهذا النص والنصوص
الأخري المتقدمة جميعها تتظاهر أن مقصود الحديث (لاتشد الرحال) في المساجد
فقط ولا يخص في غيرها من الأماكن .
الشبهة الثالثة: إستدلالهم بأحاديث منها: قوله صلي الله عليه وسلم (لاتجعلوا قبري عيدا) وقوله صلي الله عليه وسلم (لعن
الله اليهود والنصاري إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور
مساجد) ، وبـهذا الإستدلال يحرمون إجتماع المسلمين لزيارة قبور الأنبياء
والصالحين مطلقا.
الإجابة عنها: حديث (لاتجعلوا قبرى عيدا) أجيب عنه أيضاً بثلاثة أجوبة – الأولي:
إنمايدل هذا الحديث توجيه الزائرين أن يأتوا زيارتـهم على الوجه المطلوب
الموافق للشريعة وتحذيراً عن الانحراف كما كانت اليهود والنصارى يجتمعون
لزيارة قبور أنبيائهم ويشتغلون عندها باللّهو والطرب وإشعال النيران وغير
ذلك ، لا النهي عن مشروعية الزيارة ، أنظر (الجوهر المنظم في زيارة قبر
النبى المكرم – ص17) وكتاب (الدرر المنضود في الصلاة على صاحب المقام
المحمود) ، الثانية: المراد منه لاتملوا عن زيارة قبرى حتى
لاتزوروه إلا في بعض الاوقات كالعيد بل أكثروا من زيارتى في سائر الاوقات
يعنى لاتتخذوا له وقتا مخصوصا لايزار إلافيه كما أن العيد لايكون الا في وقت مخصوص "أنظر (دليل الفالحين ج4/ص201) وأنظر (الجوهر المنظم في زيارة قبر النبى المكرم – ص16) وقال الإمام السبكي في شفاء السقام ، وأما قوله صلي الله عليه وسلم "لاتجعلوا
قبري عيدا" فرواه أبو داود السجستاني وفي سنده عبد الله بن نافع الصائغ
روي له الأربعة ومسلم قال البخاري تعرف حفظه وتنكر ، وقال أحمد بن حنبل لم
يكن صاحب حديث كان ضعيفا فيه ولم يكن في الحديث بذاك ، وقال أبوحاتم
الرازي ليس بالحافظ هو لين تعرف حفظه وتنكر ووثقه يحيي بن معين وقال أبو
زرعة لابأس به .
ثم
قال السبكي: وإن لم يثبت هذا الحديث فلا كلام وإن ثبت وهو الأقرب ، فقال
الشيخ زكي الدين المنذري: يحتمل أن يكون المراد به الحث علي كثرة زيارة
قبره صلي الله عليه وسلم وأن
لا يهمل حتي لا يزار إلا في بعض الأوقات كالعيد الذي لا يأتي في العام إلا
مرتين ، قال ويؤيد هذا التأويل ما جاء في الحديث نفسه (ولاتجعلوا بيوتكم
قبورا) أي لا تتركوا الصلاة في بيوتكم حتي تجعلوها كالقبور التي لا يصلي
فيها ، قال السبكي قلت: ويحتمل أن يكون المراد لا تتخذوا له وقتا مخصوصا
لا تكون الزيارة إلا فيه – (أنظرشفاء السقام في زيارة خير الأنام ص80 - في
الباب الرابع في نصوص العلماء علي إستحباب زيارة قبر سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وبيان أن ذلك مجمع عليه بين المسلمين) .
وقال الشوكاني: قال العلماء إنما يدل هذا الحديث علي الحث علي كثرة الزيارة لا علي منعها . إهـ (نيل الأوطار 3/623)
الثالثة: حمل الحديث على المنع من زيارة النبي صلي الله عليه وسلم جهل عن لسان العرب وقوانين الادلة إذلوكان المراد ذلك لقال صلي الله عليه وسلم لاتزوروا
قبرى ولم يقل (لاتجعلوا قبرى عيداً) ولأن هذه الدلالة من الحديث ظنية وأن
غيرها من الأدلة في القرآن والسنة وإجماع الامة قطعية والدليل القطعي مقدم
على الظنى عند تعارضهماكما هو معلوم ووجه الجمع بينهما تأويل الظني حتى
يوافق القطعي وإلى هذا المعنى أشارغير واحد من العلماء منهم إبن حجر
الهيتمى المكى في كتابه (الجوهر المنظم في زيارة قبر النبى المكرم- ص16)
وفي كتابه (الدرر المنضود في الصلاة على صاحب المقام المحمود) وانظر أيضا
(شواهد الحق ص81 لشيخ يوسف بن إسماعيل النبهانى) .
وأماحديث:(لعن
الله اليهود والنصاري إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، ألافلا تتخذوا القبور
مساجد) هذا الحديث لايخص في باب الزياره وليس في موضوعها وإنما هويتكلم عن تبيين
حكم الصلاة في المقبرة فهل هى تصح أم لا ؟ ، وجمهور العلماء على أنـها تصح
مع الكراهة إن قابل المصلى صلاته إلى القبر فتأمل في ذلك ، وهذه مسئلة
مبسوطة في كتب الفقه والحديث ، ومعني إتخاذ القبور مساجد يكون بالصلاة
فيها أو عليها ، وليس معناه المنع من زيارتـها المشروعة في نصوص الكتاب
والسنة وإجماع الأمة المحمدية ، ولإجابة هذه الشبهة ومعني هذا الحديث ألف
الشيخ المحدث أبو الفضل عبد الله بن محمد الصديق الغماري ، مؤلفا خاصا
سماه: (إعلام الراكع الساجد بمعني إتخاذ القبور مساجد) - فارجع إليه لمزيد
من الفوائد .
الشبهة الرابعة: إستدلالهم بحديث: (لعن الله زوارات القبور)- يحرمون به زيارة القبور من النساء .
الإجابة عنها:
حديث (لعن الله زوارات القبور)لم يفهم أهل العلم هذا الحديث منع النساء من
الزيارة لحديث عائشة السابق (كيف أقول لهم يارسول الله ؟ - أي إذا زرت
القبور) ولعموم حديث (زوروا القبور فانـها تذكركم الاخرة ) ولحديث أنس (
أن النبى صلي الله عليه وسلم
مرّ على إمرأة تبكي عند قبرصبى لها فقال اتق الله واصبرى) _ رواه الشيخان
، وقال الإمام السبكي بعد ذكر هذه الأدلة التي تشير إلي جواز زيارة القبور
للنساء ، "وهذا إستدلال صحيح" إهـ - (شفاء السقام ص84) ، ومنها زيارة
عائشة رضى الله عنها قبر أخيها عبد الرّحمن إبن أبي بكر"فلما سألها عن
زيارتـها إبن مسعود رضى الله عنه قالت نـهى رسول الله صلي الله عليه وسلم
عن زيارة القبور ثم أمر بزيارتـها - (رواه أحمد وابن ماجه ورواه ابن سعد
في الطبقات - وأنظرغاية المأمول شرح التاج الجامع للأصول ج1ص382–
وانظرشفاء السقام في زيارة خيرالأنام الباب الخامس- ص 89 وصفحة 90)
وفي رواية نـهينا عن زيارة القبور فلم يعزم علينا وأما هذا الحديث "لعن الله زوّارات القبور" فمحمول علي كثرة جزعهن وقلة صبرهنّ وهجان عاطفتهن عند رؤية القبور ، أوخروجهن على هيئة التبرّج أونحو ذلك ، أما
إن كانت زيارتـهن في غير هذ الخصال فلا مانع لعموم الادلة المتقدّمة وإلى
هذا المعنى أشار صاحب التاج ، أنظر (التاج لجامع الاصول 1/ص382) .
وقال
الحافظ إبن حجر العسقلاني: (فائذة) - مما يدل للجواز بالنسبة إلي النساء
ما رواه مسلم عن عائشة قالت كيف أقول يا رسول الله ؟ تعني إذا زرت القبور
قال قولي السلام علي أهل الديار من المؤمنين ، وللحاكم من حديث علي بن
الحسين عن علي أن فاطمة بنت النبي صلي الله عليه وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده – (أنظر تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير ج2/137 في كتاب الجنائز) .
الشبهة الخامسة: في بعض الأحيان يقولون عند الإفحام ، يحرم زيارة القبور سوى قبره صلي الله عليه وسلم ، وإن سفره إلي قبر أمه ليس مقصودا لزيارته بل كان في بعض أسفاره للجهاد فكان مصادفة في أثناء طريقه .
الإجابة عنها: وهذه أيضا من الحجج الواهية المبنية على بيت العنكبوت فنجيب عنها ، أولاً: قد قدمنا أن النبي صلي الله عليه وسلم
زار قبر أمّه بالأبواء أوبشعب الحجون وهذا لايمكن وصوله إلابالسفر إليه
فمن قال زار في بعض أسفاره للجهاد ولم يقصد إلى زيارة القبر فمتقول على
الله ورسوله ويطالب منه هذا النقل ومن ذكره من أهل العلم ، ولكنه يدل
بطلان ذلك قوله صلي الله عليه وسلم (إستأذنت في أن أزور قبرها فأذن لي) وهذا الإستئذان وقع في حال الحضر وهو مما يؤيد أنه صلي الله عليه وسلم خرج بنية الزيارة قبل إنشاء سفره ، ثانيا:
ثبت أن السلف زار بعضهم بعضا بعد وفاتـهم ومنهم الإمام الشافعى زار من مصر
قبر الإمام أبي حنيفه في بغداد فترك القنوت أيام زيارته في صلاة الصبح
تأذبا وتواضعا معه رحمة الله عليهم أحمعين – (أنظر تاريخ بغذادج3/123-
لأبىبكرالخطيب البغدادى) .
الشبهة السادسة: الذبح عند القبور شرك لقوله صلي الله عليه وسلم (لاعقر في الإسلام) .
الإجابة عنها: حديث:
(لاعقر في الإسلام) لا يحرّم الذبح سواء كان عند القبر أو غيره ، لأن معني
العقر هو ضرب البهيمة في غير نحرها حتي تزهق روحها ، وهذا حرام باتفاق ،
ولم يقل صلي الله عليه وسلم "لاذبح في الإسلام" وإنما قال "لاعقر في الإسلام"
والعقر غير الذبح كما هو معروف ، وليس في الأمة المحمدية من يعمل بالعقر ،
ويكون العقر أيصا: نوع من إضاعة مال وإسراف ، كأن ذُبح لأجل الرياء
والتفاخر كما كان يفعل أهل الجاهلية إذ يضعون لحم الذبيحة علي قبر الرجل
الجواد أو الشجاع لتأكل السباع والطيور ، لا لأجل الصدقة وإطعام المسكين
ونحو ذلك من الأمور المشروعة .
وحتي
بتسليم هذا الحديث فالحديث لايستفاذ منه حرمة الذبح عند القبر وإنما
يستفاذ منه حرمة العقر عند القدرة علي سيطرة البهيمة ، وأما عند عدم
القدرة كأن كانت شاردة وعجز عنها فالعقر في هذه الحالة مشروع .
ومما يرد هذا الإستدلال الفارغ أيضا: مارواه ثابت ابن ضحاك رضي الله قال نذر رجل علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم أن ينحر إبلا ببوانة فأتي رسول الله صلي الله عليه وسلم
فسأله فقال هل كان فيها وثن يعبد؟ قال لا قال فهل كان فيها عيد من
أعيادهم؟ فقال لا فقال أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا في
قطيعة رحم ولا فيما لايملك ابن آدم – قال الحافظ العسقلاني في بلوغ
المرام: رواه أبو داود والطبراني واللفط له وهو صحيح الإسناد وله شاهد من
حديث كردم عند أحمد .
قال الصنعاني في سبل السلام:
عند شرحه لهذا الحديث ، وهو دليل علي أن من نذر أن يتصدق أو يأتي بقربة في
محل معين أنه يتعين عليه الوفاء بنذره مالم يكن في ذلك المحل شيء من أعمال
الجاهلية ، إهـ أنظر (سبل السلام جـ4ص1453) ، وانظر الحديث أيضا: في كتاب
(التاج الجامع للأصول ج3/81-82)- وهذه الرواية أيضا صحيحة رواها أبو داود
والترمذي .
قال الشيخ منصور علي ناصف: فلما علم صلي الله عليه وسلم
أن النحر ليس لصنم في هذا المكان أمرها بالنحر ، فمن نذر نذرا كهدية أو
صدقة لمكان من الأمكنة فإنه يجب عليه الوفاء به في ذلك المكان فلا يصرفه
لغيره. إهـ ، وخلاصة مفهوم الحديث أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يسئل عن أن يكون هناك قبر بل سأل عن أن يكون هناك صنم أوثن ولوكان القبر ممنوعا لذكره في كلامه ، (التاج الجامع للأصول ج3/81-82)
وقال الشيخ أبي بكر بن سيد محمد البكري الشافعي:
في كتابه إعانة الطالبين ، فما يذبح عند لقاء السلطان أو عند قبور
الصالحين أو غير ذلك فإن قصد به ذلك السلطان أو ذلك الصالح كسيدي أحمد
البدوي حرم وصار ميتة لأنه مما أهل به لغير الله ، بل إن ذبح بقصد التعظيم
والعبادة لمن ذكر كان ذلك كفرا ، وإن كان قصد بذلك التقرب
إلي الله تعالي ثم التصدق بلحمه عن ذلك الصالح مثلا فإنه لا يضر كما يقع
من الزائرين فإنـهم يقصدون الذبح لله ويتصدقون به كرامة ومحبة لذلك المزور
دون تعظيمه وعبادته . إهـ ، (حاشية إعانة الطالبين علي فتح المعين بشرح
قرة العين بـهمات الدين 2/346) .
الشبهة السابعة: إستدلالهم
بأقوال بعض العلماء - كقول الإمام مالك: (أكره أن يقال زرت قبر النبي)
وقول أبي محمد الجويني من كبار الشافعية: شدّ الرّحل إلي قبور الصالحين
حرام .
الإجابة عنها: قال
الإمام النووي محرر مذهب الشافعية في إجابة قول أبي محمد هذا: واختلف
العلماء في شد الرحال وأعمال المطي إلي غير المساجد الثلاثة كالذهاب إلي
قبور الصالحين وإلي المواضع الفاضلة ونحوذلك فقال الشيخ أبو محمد من
أصحابنا هوحرام وهو الذي أشارالقاضي عياض إلي اختياره ، والصحيح عند
أصحابنا وهو الذي إختاره إمام الحرمين والمحققون أنه لايحرم ولايكره قالوا
والمراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلي هذه المساجد الثلاثة
خاصة والله أعلم . إهـ (شرح مسلم للنووي 9/106- في باب سفر المرأه مع محرم إلي الحج وغيره) .
ثم
قال الإمام النووي في موضع آخر: وفي هذا لحديث فضيلة هذه المساجد الثلاثة
وفضيلة شد الرحال إليها لأن معناه عند جمهور العلماء لا فضيلة في شد
الرحال إلي مسجد غيرها وقال الشيخ أبومحمد الجويني من أصحابنا يحرم شد
الرحال إلي غيرها وهو غلط وقد سبق بيان هذا الحديث وشرحه قبل هذا بقليل في
باب سفر المرأة مع محرم إلي الحج وغيره . إهـ (شرح مسلم للنووي 9/168 في
باب فضيلة المساجد) .
وقال الإمام السبكي:
تعقيبا لقول الإمام النووي في شرح مسلم ونقله الخلاف في شد الرحال إلي
قبور الصالحين ، "فإن قلت فقد قال النووي في شرح مسلم في باب سفر المرأة
مع محرم إلي الحج إختلف العلماء في شد الرحال وأعمال المطي إلي غير
المساجد الثلاثة كالذهاب إلي قبور الصالحين وإلي المواضع الفاضلة ونحو ذلك
- إلي آخر كلامه المتقدم - قلت: رحم الله النووي لو إقتصرلم يحصل خلل
وإنما زاد التمثيل فحصل الخلل من زيادته ، والذي نقله الإمام والرافعي
والنووي في غير شرح مسلم عن الشيخ أبي محمد رحمه الله ليس فيه هذه
الزيادة" . إهـ أنظر (شفاء السقام في زيارة خير الأنام - ص 122-123) .
وأما نقلهم قول الإمام مالك (أكره أن يقال زرت قبر النبي صلي الله عليه وسلم)
، فهو إصطياد من الماء العكر فقد أجابه أهل العلم ، بأن مقصود إمام مالك
هو التأدب والإستحياء من هذه العبارة ويفضل أن يقول الشخص (زرت النبي صلي الله عليه وسلم) بدل أن يقول (زرت قبر النبي صلي الله عليه وسلم) لأن النبى صلي الله عليه وسلم حيّ وينبغي للزائر أن يقول مباشرة: (زرت النبىّ صلي الله عليه وسلم) قال الحافظ إبن حجر العسقلاني: إنما كره إمام مالك لفط (زرت قبر النبي صلي الله عليه وسلم)
أدبا لا منع أصل الزيارة فإنـها من أفضل الأعمال وأجل القربات الموصلة إلي
ذي الجلال والإكرام ، وأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع . إهـ (فتح الباري
3/66) .
وأجاب هذه الشبهة بمثل ذلك مفصلا الإمام الحافظ تقي الدين السبكي في كتابه المشهور شفاء السقام في زيارة خير الأنام (ص74-78) .
هذا آخر ما أدرت نقله ، وقد تم بحمد الله يوم الخميس السابع من نوفنبر عام 2006 ميلادية الموافق 16 من ذي القعدة عام 1427 من هجرة المصطفى علي صاحبها أفضل الصلاة والسلام .
وأرجو
من القارئ المنصف الكريم تنبيه أو إصلاح ما وقع من خطأ أونسيان أوسبق قلم
في هذه الرسالة ، إذ من البديهي أن هذا من شأن الإنسان ، ولا يخلوه أحد من
الناس مهما جدّ واجتهد ، وهذه الطبعة تكون كمسودة لما قد يقع في هذه
الرسالة من الخلل ، وستكون الطبعات القادمة كاستدراك لما سيحتاج إلى
التصحيح إن شاء الله .
وأسأل الله سبحانه وتعالى تيسير أموري وإصلاح شئوني في الدنيا والآخرة ، وأن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم بجاه سيد المرسلين محمد صلي الله عليه وسلم ولله
الحمد أولا وآخرا وحسبني الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله
العلي العظيم ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنبيب ، وآخر
دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه وسلم أجمعين .
الطبعة الأولي طبع في مقديشو
1427هـ – 2006م
البيـــان
في أحكام الموتى والقبور
تـأليف
الشيخ عبد القادر شيخ محمد متـان – (علو)
غغر الله له ولوالديه وللمؤمنين – آمين .
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
1427 هـ - 2006 م
مقديشو - الصومال